فصل: تفسير الآيات (14- 17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (10- 11):

{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)}
يقول الحق جل جلاله: {وأصبح} أي: صار: {فؤادُ أُمّ موسى فارِغاً} من كل شيء إلا مِن ذكر موسى وهمه، أو: فارغاً: خالياً من العقل؛ لِمَا دهمها من الجَزَع والحيرة، حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، ويؤيده قراءة ابن محيصن: {فزعاً}؛ بالزاي بلا ألف، أو: فارغاً من الوحي الذي أوحي إليها أن تلقيه في اليم، ناسياً للعهد أن يرده إليها، لما دَهَمَهما من الوجد، وقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهتِ أن يقتل فرعون موسى وأغرقته أنتِ. وبلغها أنه وقع في يد فرعون، فعظم البلاء، {إن كادتْ لتُبدِي به}: لتبوح به وتظهر شأنه وأنه وَلدها.
قيل: لما رأت الأمواج تلعب بالتابوت؛ كادت تصيح وتقول: يا ابناه، وقيل: لما سمعت أن فرعون أخذ التابوت لم تشك أنه يقتله، فكادت تقول: يا ابناه؛ شفقة عليه. و{أن} مخففة، أي: إنها كادت لتظهره {لولا أن ربطنا على قلبها}. والربط: تقويته؛ بإلهام الصبر والتثبيت، {لتكون من المؤمنين}: من المصدقين بوعدنا، وهو: {إنا رادوه إليك}. وجواب {لولا}: محذوف، أي: لأبْدته، أو: فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون تبناه، إن كادت لتُبدي بأنه ولدها؛ لأنها لم تملك نفسها؛ فرحاً وسروراً مما سمعت، لولا أن ربطنا على قلبها وثبتناه؛ لتكون من المؤمنين الواثقين بعهد الله، لا بتبني فرعون. قال يوسف بن الحسن: أمرتُ أُم موسى بشيئين، وبُشرت ببشارتين، فلم ينفعها الكل، حتى تولى الله حياطتها، فربط على قلبها.
{وقال لأخته} مريم: {قُصّيهِ}: اتبعي أثره؛ لتعلمي خبره، {فَبَصُرَت به} أي: أبصرته {عن جُنُبٍ}؛ عن بُعدٍ. قال قتادة: جعلت تنظر إليه كأنها لا تريده {وهم لا يشعرون} أنها أخته وأنها تقصه. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ينبغي للعبد الطالب لمولاه أن يصبح فارغاً من كل ما سواه، ليس في قلبه سوى حَبيبه فحينئذٍ يرفع عنه الحجاب ويُدخله مع الأحباب فعلامة المحبة: جمع الهموم في هَم واحد وهو حب الحبيب ومشاهدة القريب المجيب كما قال الشاعر:
كَانَتْ لقَلْبيَ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ** فَاسْتَجْمَعَتْ مُذَ رَأَتْكَ الْعَيْنُ أَهْوَائِي

فَصَارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ ** وَصِرْتُ مَوْلى الورى مُذْ صِرْتَ مَوْلائِي

تَرَكْت لِلنَّاسِ دنياهم ودينَهُمُ ** شُغْلاً بِذِكْرِكَ يا دِينِي ودُنْيائِي

فَرِّغْ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار. والأغيار: جمع غَيْرٍ وهو ما سوى الله فإن تلاشى الغير عن عين العبد؛ شهد مولاه في غيب ملكوته وأسرار جبروته وفي ذلك يقول القائل:
إِنْ تَلاَشَى الكَوْنَ عَنْ عَيْنِ قَلْبي ** شَاهَدَ السِّرُّ غَيْبَهُ في بيَانِ

فَاطْرَح الكَوْنَ عَنْ عِيَانِكَ وَامْحُ ** نُقْطَةَ الْغَيْنِ إِنْ أَرَدْت تَرَانِي

فمن شاهد حبيبه كاد أن يبدي به ويبوح بسره؛ فرحاً واغتباطاً به لولا أن الله يربط على قلبه ليكون من الثابتين الراسخين في العلم به وإن أبدى سر الحبيب سلط عليه سيف الشريعة وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (12- 13):

{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)}
قلت: المراضع: جمع مُرضِع،، وهي المرأة التي ترضع، أو: مَرْضَع- بالفتح-: موضع الرضاع، وهو الثدي. و{لا تحزن}: معطوف على {تَقَرَ}.
يقول الحق جل جلاله: {وحرّمنا عليه المراضِعَ} أي: تحريم منع، لا تحريم شرع، أي: منعناه أن يرضع ثَدْياً غَيْرَ ثدي أمه. وكان لايقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك. {من قبلُ} أي: من قبل قَصَصِها أثره، أو: من قبل أن نرده إلى أمه. {فقالت} أخته. وقد دخلت داره بين المراضع، ورأته لا يقبل ثدياً: {هل أدُلكم}؛ أرشدكم {على أهل بيتٍ يكفلونه}؛ يحفظون موسى {لكم وهم له ناصحون}؛ لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. والنصح: إخلاص العمل من شائبة الفساد. رُوي أنها لما قالت: {وهم له ناصحون}؛ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فخذوها حتى تخبر بقصة هذا الغلام، فهو الذي نحدر، فقالت: إنما أردتُ: وهُمْ للملك ناصحون.
فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يُعلله؛ شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون: ومن أنتِ منه، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح، لا أُوتَى بصبي إلا قَبِلَني. فدفعه إليها، وأجرى عليها مؤنة الرضاع. قيل: ديناراً في اليوم، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله لها وعده في الرد، فعندها ثبت واستقر في علمها أنه سيكون نبياً. وذلك قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقرَّ عينُها} بولدها، {ولا تحزن} لفراقه، {ولِتَعْلَمَ أن وعْدَ الله حقٌ}، أي: وليثبت علمها؛ مشاهدة، كما ثبت؛ علماً.
وأما جزعها وحيرتها؛ فذلك من الطبع البشري الجِبِلِّيِّ، اللازم لضعف البشرية، لا ينجو منه إلا خواص الخواص، وإنما حل لها ما تأخذه من الدينار في اليوم، كما قال السدي: لأنه مال حربي، لا أنه أجرة إرضاع ولدها.
{ولكن أكثرهم} أي: القبط، أو الناس جملة، {لا يعلمون} أن ما وعد الله لابد من إنجازه، ولو بعد حين، وهو داخل تحت علمها، أي: لتعلم أن وعد الله حق، ولتعلم أن أكثر الناس لا يعلمون فيرتابون فيه. وفيه التعريض بما فرط منها؛ حين سمعت بوقوع موسى في يد فرعون، فجزعت، وهذا من الطبع البشري كما تقدم. وأيضاً يجوز أن يكون الوعد منوطاً بشروط وأسباب، قد لا تعرفها، فلذلك لم ينفك خوفها. والله تعالى أعلم.
الإشارة: وحرمنا على الإنسان المراضع، من لبان الخمرة الأزلية، من قبل أن نلقيه بأهلها، فقالت له العناية السابقة: هل أدلك على أهل بيت الحضرة يكفلونك من رعونات البشرية، والهفوات القلبية، وهي الإصرار على المساوئ والذنوب، ويرضعونك من لبن الخمرة الأزلية. وهم لك ناصحون. يدلونك على الله ولا يدلونك على غيره؛ فإن من دلك على الله فقد نصحك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلك على الدنيا فقد غشك. فرددناه إلى أمه، وهي الحضرة القدسية، التي خرج منها، بمتابعة شهوته وغفلته، كي تقر عين روحه بمشاهدة حبيبها، ولا تحزن على فوات شيء، إذ لَم تفقد شيئاً، حيث وجدت الله تعالى؛ «مَاذَا فَقَدَ مَنْ وَجَدَكَ؟ وما الذي وَجَدَ من فَقَدَكَ؟». ولتعلم أن وعد الله بالفتح على من توجه إليه بالواسطة حق، ولكن أكثر أهل الغفلة لا يعلمون.

.تفسير الآيات (14- 17):

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)}
قلت: {على حين غَفْلَةٍ}: حال، أي: دخل مخفياً.
يقول الحق جل جلاله: {ولما بَلَغَ} موسى {أَشُدَّهُ} أي: نهاية القوم وتمام العقل، جمع شِدَّةٍ؛ كنعمة وأنعم. وأول ما قيل في الأشد: بلوغ النكاح، وذلك أولُه، وأقصاه: أربع وثلاثون سنة. {واستوى} أي: اعتدل عقله وقوته، وهو أربعون سنة، ويُروى أنه لم يبعث نبي إلى على رأس أربعين سنة. {آتيناهُ حُكْماً}: نبوة، أو حكمة {وعلماً}: فقهاً في الدين، أو: علماً بمصالح الدارين. والحاصل: لما تكامل عقله وبصيرته آتيناهُ حُكْماً على عبادنا وعلماً بنا. {وكذلك نجزي المحسنين} أي: كما فعلنا بموسى وأمه؛ لمّا استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله، فرددنا لها ولدها، ووهبنا له الحكمة والنبوة، فكذلك نجزي المحسنين في كل أوان وحين.
قال الزجاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة، التي هي جزاء المحسنين، والعالم الحكيم من يعمل بعلمه؛ لأنه تعالى قال: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، فجعلهم جهالاً، إذ لم يعملوا بالعلم. اهـ.
{ودخل المدينةَ} أي: مصر، آتياً من قصر، فرعون، وكان خارجاً، وقال السُّدِّي: مدينة منف من أرض مصر، وقال مقاتل: قرية حابين، على فرسخين من مصر. {على حين غفلةٍ من أهلها}، وهو مابين العشاءين، أو: وقت القائلة، يعني: انتصاف النهار.
قال السدي: لما كبر موسى؛ ركب مراكب فرعون، ولبس ملابسَهُ، فكان يدعى موسى بن فرعون، فركب فرعونُ يوماً وركب موسى خلفه، فأدركه المقيل بقرب مدينة منف، فدخلها نصف النهار، وقد غلقت أسواقها، وليس في طرقها أحد، فوجد موسى رجلين.. إلخ.
قال ابن إسحاق: كان يجتمع إلى موسى طائفة من بني إسرائيل ويقتدون به، فرأى مفارقة فرعون، وتكلم في ذلك حتى ظهر أمره، فأخافوه، فكان لايدخل قرية إلا مستخفياً، فدخلها على حين غفلة. وقيل: إن موسى لما شبّ علا فرعون بالعصى، فقال: هذا عدو لي، فأخرجه من مصر، ولم يدخل عليهم إلى أن كبر وبلغ أشده، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها بخبر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره، {فوجد فيها رجلين يقتتلان}؛ يتضاربان، {هذا من شيعته}؛ ممن على دينه من بني إسرائيل، وقيل: هو السامري. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، {وهذا من عدوه}؛ من مخالفيه من القبط، وهو طباخ فرعون. واسمه: فليثور، وقيل فيهما: هذا وهذا، وإن كانا غائبين، على جهة الحكاية، أي: إذا نظر إليهما الناظر قال: هذا وهذا.
وقال ابن عباس: لما بلغ موسى أشده كان يحمي بني إسرائيل من الظلم والسخرة، فبينما هو يمشي نظر رجلين يقتتلان، أحدهما من القبط والآخر من بني إسرائيل.
{فاستغاثه}؛ فاستنصره {الذي من شيعته على الذي من عدوه} أي: فسأله أن يغيثه الإعانة. ضمَّن استغاث أعان، فعداه ب {على}. رُوي أنه لما استغاث به، غضب موسى، وقال للفرعوني: خله عنك؟ فقال: إنما آخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، ثم قال الفرعوني لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك، {فوكزه موسى}؛ ضربه بِجُمْع كفه، أو: بأطراف أصابعه. قال الفراء الوَكز: الدفع بأطراف الأصابع. {فقَضَى عليه} أي: قتله، ولم يتعمد قتله، وكام موسى عليه السلام ذا قوة وبطش، وإنما فعل ذلك الوكز؛ لأن إغاثة المظلوم والدفع عن دِين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع. وإنما عدَّه ذنباً؛ لأن الأنبياء لا يكفي في حقهم الإذن العام، فلذلك {قال هذا من عمل الشيطان} أي: القتل الحاصل، بغير قصد، من عمل الشيطان، واستغفر، وإنما جعل قتل الكافر من عمل الشيطان، وسماه ظلماً لنفسه، واستغفر منه؛ لأنه كان مستأمناً فيهم، أو: لأنه قتله قبل أن يُؤذن له في القتل. وعن ابن جريج: ليس لنبي أن يقتل ما لم يُؤمر، ولأن الخصوص يٌعظمون محقرات ما فرط منهم. {إنه} أي: الشيطان {عدو مُضل مبين}؛ ظاهر العداوة.
{قال ربِّ} أي: يا رب {إني ظلمتُ نفسي} بفعل صار قتلاً {فاغفرْ لي} زلتي، {فَغَفَرَ له} زلته، {إنه هو الغفور} بإقالة الزلل، {الرحيم} بإزالة الخجل، {قال ربِّ بما أنعمت عليَّ} أي: بحق إنعامك عليّ بالمغفرة ولم تعاقبني {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} أي: لا تجعلني أُعين على خطيئةَ، تَوَسل للعصمة بإنعامه عليه. وقيل: إنه قسم حُذف جوابه، أي: أُقْسِمُ بإنعامك عليَّ بالمغفرة، إن عصمتني، فلن أكون ظهيراً للمجرمين، وأراد بمظاهرة المجرمين صُحْبَةَ فرعون، وانتظامَهُ في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب معه كالولد مع الوالد.
قال ابن عطية: احتج أهل الفضل والعلم بهذه الآية في منع خدمة أهل الجور، ومَعُونتهم في شيء من أمورهم، ورأوا أنها تتناول ذلك. اهـ. قال الْوُصَافِي لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخاً يأخذ بقلمه، وإنما يكتب ما يدخل ويخرج، وله عيال، ولو ترك لاحتاج وَادّانَ. فقال: من الرأس؟ فقال: خالد بن عبد الله، قال: أما تقرأ قول العبد الصالح: {ربّ بما أنعمتَ عليَّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، فإن الله عز وجل سيعينه. اهـ.
الإشارة: خصوصية الولاية كخصوصية النبوة، لا تُعطى، غَالِباً، إلا بعد بلوغ الأشد وكمال قوة العقل، وحصول الاستواء، وهو أن يستوي عنده المدح والذم، والعز والذل، والمنع والعطاء، والفقر والغنى، وتستوي حاله في القبض والبسط، والغضب والرضا، فإذا استوى في هذه الأمور آتاه الله حكماً وعلماً، وجزاه جزاء المحسنين وكتب شيخ شيخنا إلى بعض تلامذته: أمَّا بعد، فإن تورعت في أقوالك وأفعالك، وتوسعت في أخلاقك، حتى يستوي عندك من من يمدحك ويذمك، ويعطيك ويمنعك، ومن يؤذيك وينفعك، ومن يشدد عليك ويوسع، فلا أشك في كمالك. اهـ.
فإن قلت: لِمَ ذكر الحق، جَلَّ جلاله، الاستواء في حق سيدنا موسى، ولم يذكره في حق نبيه يوسف- عليهما السلام؟ فالجواب: أن سيدنا يوسف عليه السلام تربى في السجن وفي نار الجلال، وكل محنة تزيد تهذيباً وتدريباً، فما بلغ الأشد حتى وقع له كمال الاستواء، بخلاف سيدنا موسى عليه السلام فإنه تربى في العز والجمال، فاحتاج إلى تربية وتهذيب، بعد كمال الأشد، فلم يحصل له كمال الأدب إلا بعد الاستواء الذي يليق به، فلذلك ذكره حقه. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (18- 21):

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)}
قلت: جملة {يسعى}: حال من {رجل}؛ لأنه وصف بالجار.
يقول الحق جل جلاله: {فأصبح} موسى {في المدينةِ} أي: مصر {خائفاً} على نفسه من قتله؛ قَوَداً بالقبطي، وهذا الخوف أمر طبيعي لا ينافي الخصوصية، {يترقبُ}: ينتظر الأخبار عنه، أو ما يقال فيه، أو يترصد الاستفادة منه. وقال ابن عطاء: خائفاً على نفسه، يترقب نصرة ربه، {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه}: يستغيثه، مشتق من الصراخ؛ لأنه يقع في الغالب عند الاستغاثة. والمعنى: أن الإسرائيلي الذي خلصه موسى استغاث به ثانياً من قبطي آخر، {قال له موسى} أي: للإسرائيلي: {إنك لغويٌّ مبين} أي: خال عن الرشد، ظاهر الغي، فقد قاتلتَ بالأمس رجُلاً فقتلتُه بسببك. قال ابن عباس: أُتِي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا منا رجلاً، فالقصاص، فقال: ابغُوني القاتل والشهود، فبينما هم يطلبون إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر، يريد أن يسخره، فاستغاث به الإسرائيلي على الفرعوني، فوافق موسى نادماً على القتل، فقال للإسرائيلي: إنك لغوي مبين.
{فلما أن أرادَ} موسى {أن يبطش بالذي}؛ بالقبطي الذي {هو عدو لهما}؛ لموسى وللإسرائيلي؛ لأنه ليس على دينهما، أو: لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، أي: فلما مدّ موسى يده؛ ليبطش بالفرعوني، خشي الإسرائيلي أن يريده، حين قال: {إنك لغوي مبين}، فقال: {يا موسى أتريدُ أن تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس}، يعني القبطي، {إنْ} ما {تريدُ إلا أن تكون جباراً}؛ قتالاً بالغضب، {في الأرض}؛ أرض مصر، {وما تريدُ أن تكون من المصلحين} في كظم الغيظ.
وقيل: القائل: {يا موسى أتريد...} إلخ، هو القبطي، ولم يعلم أن موسى هو الذي قتل الرجل بالأمس، ولكن لما قصد أن يمنعه من الإسرائيلي استدل على أن الذي قتل صاحب هذا الرجل بالأمس هو موسى، فلما ذكر ذلك شاع في أفواه الناس أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، فأمسك موسى عنه، ثم أخبر فرعون بذلك؛ فأمر بقتل موسى.
{وجاء رجلٌ من أقصى المدينة}؛ من آخرها، واسمه: حزقيل بن حبورا، مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، {يسعى}: يُسرع في مشيه، أو: يمشي على رجله، {قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك}، أي: يتشاورون في قتلك، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك. والائتمار: التشاور، {فاخْرجْ} من المدينة، {إني لك من الناصحين}، فاللام في {لك}: للبيان، وليس بصلة؛ لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، إلا أن يُتَسَامحَ في المجرور، {فخرج منها}؛ من مصر {خائفاً يترقّبُ}: ينتظر الطلب ويتوقعه، {قال ربّ نجني من القوم الظالمين}؛ قوم فرعون. والله تعالى أعلم.
الإشارة: في الآية دليل على أن الخوف عند الدواهي الكبار لا ينافي الخصوصية؛ لأنه أمر جِبِلِّي، لكنه يخف ويهون أمره، وفيها دليل على جواز الفرار من مواطن الهلاك، يفرّ من الله إلى الله، ولا ينافي التوكل، وقد اختفى صلى الله عليه وسلم من الكفار بغار ثور، واختفى الحسن البصري من الحَجَّاج، عند تلميذه حبيب العجمي.
وفيها أيضاً دليل على أن المعصية قد تكون سبباً في نيل الخصوصية، كأكل آدم من الشجرة، كان سبباً في نيل الخلافة، وعُمْرَةِ الأرض، وما نشأ من صُلبه من الأنبياء والأولياء وجهابذة العلماء، وكقتل موسى عليه السلام نفساً لم يُؤمر بقتلها، كان سبباً في خروجه للتربية عند شعيب عليه السلام، وتهيئته للنبوة والرسالة والاصطفائية، فكل ما يُوجب التواضع والانكسار يورث التقريب عند الملك الغفار، والحاصل: أن من سبقت له العناية، ونال من الأزل مقام المحبوبية؛ صارت مساوئه محاسن، ومن سبق له العكس صارت محاسنه مساوئ. اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت. وفي الحديث: «إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب».
قال في القوت: واعلم أن مسامحة، الله عز وجل لأوليائه- يعني: في هفواتهم- في ثلاث مقامات: أن يقيمه مَقَامَ حَبيبٍ صَديقٍ، لِمَا سبق من قدم صدق، فلا تنقصه الذنوب؛ لأنه حبيب. المقام الثاني: أن يقيمه مقام الحياء منه، بإجلال وتعظيم، فيسمح له، وتصغر ذنوبه؛ للإجلال والمنزلة، ولا يمكن كشف هذا المقام، إلا أنَّا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر طائفة فقال: «يدفع عنهم مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم» المقام الثالث: أن يقيمه مقام الحزن والانكسار، والاعتراف بالذنب والإكثار، فإذا نظر حزنه وهمه، ورأى اعترافه وغمه، غفر له؛ حياء منه ورحمة. اهـ. وبالله التوفيق.