فصل: باب السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ وَالسُّجُودِ لَهُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب النَّهْيِ عَنْ نَشْدِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ النَّاشِدَ:

880- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُد ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال: نَشَدْت الدَّابَّة إِذَا طَلَبْتهَا، وَأَنْشَدْتهَا إِذَا عَرَّفْتهَا. وَرِوَايَة هَذَا الْحَدِيث: «يَنْشُد ضَالَّة» بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الشِّين مِنْ نَشَدْت إِذَا طَلَبْت. وَمِثْله: قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَل الْأَحْمَر، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا وَجَدْت إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» قَوْله: «إِلَى الْجَمَل الْأَحْمَر» فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَوَائِد مِنْهَا: النَّهْي عَنْ نَشْد الضَّالَّة فِي الْمَسْجِد، وَيَلْحَق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْبَيْع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا مِنْ الْعُقُود، وَكَرَاهَة رَفْع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد.
قَالَ الْقَاضِي: قَالَ مَالِك وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء: يُكْرَه رَفْع الصَّوْت فِي الْمَسْجِد بِالْعِلْمِ وَغَيْره، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى رَفْع الصَّوْت فيه بِالْعِلْمِ وَالْخُصُومَة وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ النَّاس؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعهمْ ولابد لَهُمْ مِنْهُ.
881- وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» مَعْنَاهُ: لِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى وَالصَّلَاة وَالْعِلْم وَالْمُذَاكَرَة فِي الْخَيْر وَنَحْوهَا.
قَالَ الْقَاضِي: فيه: دَلِيلٌ عَلَى مَنْع عَمَل الصَّانِع فِي الْمَسْجِد كَالْخِيَاطَةِ وَشَبَههَا.
قَالَ: وَقَدْ مَنَعَ بَعْض الْعُلَمَاء مِنْ تَعْلِيم الصِّبْيَان فِي الْمَسْجِد، قَالَ: قَالَ بَعْض شُيُوخنَا: إِنَّمَا يُمْنَع فِي الْمَسْجِد مِنْ عَمَل الصَّنَائِع الَّتِي يَخْتَصّ بِنَفْعِهَا آحَاد النَّاس وَيَكْتَسِب بِهِ، فَلَا يُتَّخُذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا، فَأَمَّا الصَّنَائِع الَّتِي يَشْمَل نَفْعهَا الْمُسْلِمِينَ فِي دِينهمْ كَالْمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاح آلَات الْجِهَاد مِمَّا لَا اِمْتِهَان لِلْمَسْجِدِ فِي عَمَله، فَلَا بَأْس بِهِ.
قَالَ: وَحَكَى بَعْضهمْ خِلَافًا فِي تَعْلِيم الصِّبْيَان فيها.
وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا وَجَدْت» وَأَمَرَ أَنْ يُقَال مِثْل هَذَا، فَهُوَ عُقُوبَة لَهُ عَلَى مُخَالَفَته وَعِصْيَانه وَيَنْبَغِي لِسَامِعِهِ أَنْ يَقُول: لَا وَجَدْت فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا. أَوْ يَقُول: لَا وَجَدْت إِنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِد لِمَا بُنِيَتْ لَهُ. كَمَا قَالَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ وَالسُّجُودِ لَهُ:

قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ: فِي أَحَادِيث الْبَاب خَمْسَة: حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِيمَنْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، وَفيه أَنَّهُ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ، وَثُمَّ يَذْكُر مَوْضِعهمَا. وَحَدِيث أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِيمَنْ شَكَّ، فيه: أَنَّهُ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم. وَحَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَفيه: الْقِيَام إِلَى خَامِسَة وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْد السَّلَام. وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ، وَفيه السَّلَام مِنْ اِثْنَتَيْنِ وَالْمَشْي وَالْكَلَام، وَأَنَّهُ سَجَدَ بَعْد السَّلَام. وَحَدِيث اِبْن بُحَيْنَة، وَفيه: الْقِيَام مِنْ اِثْنَتَيْنِ وَالسُّجُود قَبْل السَّلَام. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَيْفِيَّة الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث فَقَالَ دَاوُدُ: لَا يُقَام عَلَيْهَا، بَلْ تُسْتَعْمَل فِي مَوَاضِعهَا عَلَى مَا جَاءَتْ.
قَالَ أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِ دَاوُدَ فِي هَذِهِ الصَّلَوَات خَاصَّة وَخَالَفَهُ فِي غَيْرهَا، وَقَالَ: يَسْجُد فِيمَا سِوَاهَا قَبْل السَّلَام لِكُلِّ سَهْو، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا بِالْقِيَاسِ فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مُخَيَّر فِي كُلّ سَهْو، إِنْ شَاءَ سَجَدَ بَعْد السَّلَام، وَإِنْ شَاءَ قَبْله فِي الزِّيَادَة وَالنَّقْص.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْأَصْل هُوَ السُّجُود بَعْد السَّلَام، وَتَأَوَّلَ بَعْض الْأَحَادِيث عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: الْأَصْل هُوَ السُّجُود قَبْل السَّلَام، وَرَدَّ بَقِيَّة الْأَحَادِيث إِلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: إِنْ كَانَ السَّهْو زِيَادَة سَجَدَ بَعْد السَّلَام، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا فَقَبْله. فَأَمَّا الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فَيَقُول: قَالَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد فَإِنْ كَانَتْ خَامِسَة شَفَعَهَا، وَنَصَّ عَلَى السُّجُود قَبْل السَّلَام مَعَ تَجْوِيز الزِّيَادَة، وَالْمُجَوَّز كَالْمَوْجُودِ، وَيَتَأَوَّل حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي الْقِيَام إِلَى خَامِسَة وَالسُّجُود بَعْد السَّلَام عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْله مَا عَلِمَ السَّهْو إِلَّا بَعْد السَّلَام، وَلَوْ عَلِمَهُ لَسَجَدَ قَبْله، وَيَتَأَوَّل حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا صَلَاة جَرَى فيها سَهْو فَسَهَا عَنْ السُّجُود قَبْل السَّلَام، فَتَدَارَكَهُ بَعْده. هَذَا كَلَام الْمَازِرِيّ، وَهُوَ كَلَام حَسَن نَفِيس. وَأَقْوَى الْمَذَاهِب هُنَا مَذْهَب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَوْل كَمَذْهَبِ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى يَفْعَل بِالتَّخْيِيرِ، وَعَلَى الْقَوْل بِمَذْهَبِ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى لَوْ اِجْتَمَعَ فِي صَلَاة سَهْوَانِ: سَهْو بِزِيَادَةٍ، وَسَهْو بِنَقْصٍ سَجَدَ قَبْل السَّلَام.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا: وَلَا خِلَاف بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ قَبْل السَّلَام أَوْ بَعْده لِلزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْص أَنَّهُ يُجْزِئهُ وَلَا تَفْسُد صَلَاته، وَإِنَّمَا اِخْتِلَافهمْ فِي الْأَفْضَل. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَالَ الْجُمْهُور: لَوْ سَهَا سَهْوَيْنِ فَأَكْثَر كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد- رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ- وَجُمْهُور التَّابِعِينَ، وَعَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى لِكُلِّ سَهْو سَجْدَتَانِ، وَفيه: حَدِيث ضَعِيف.
883- قَوْله: «جَاءَهُ الشَّيْطَان فَلَبَسَ» هُوَ بِتَخْفِيفِ الْبَاء أَيْ خَلَّطَ عَلَيْهِ صَلَاته وَهَوَّشَهَا عَلَيْهِ، وَشَكَّكَهُ فيها.
884- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نُودِيَ بِالْأَذَانِ أَدْبَرَ الشَّيْطَان» إِلَى آخِره، هَذَا الْحَدِيث تَقَدَّمَ شَرْحه فِي بَاب الْأَذَان.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة: «فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدكُمْ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس» اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهِ، فَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَطَائِفَة مِنْ السَّلَف بِظَاهِرِ الْحَدِيث، وَقَالُوا: إِذَا شَكّ الْمُصَلِّي فَلَمْ يَدْرِ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا سَجْدَتَانِ وَهُوَ جَالِس، عَمَلًا بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث.
وَقَالَ الشَّعْبِيّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ السَّلَف: إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى لَزِمَهُ أَنْ يُعِيد الصَّلَاة مَرَّة بَعْد أُخْرَى أَبَدًا حَتَّى يَسْتَيْقِن.
وَقَالَ بَعْضهمْ: يُعِيد ثَلَاث مَرَّات، فَإِذَا شَكّ فِي الرَّابِعَة فَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَالْجُمْهُور: مَتَى شَكَّ فِي صَلَاته هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا مَثَلًا؟ لَزِمَهُ الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين، فَيَجِب أَنْ يَأْتِي بِرَابِعَةٍ وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ عَمَلًا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيد، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاته فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاته، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيث صَرِيح فِي وُجُوب الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين، وَهُوَ مُفَسِّر لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، فَيُحْمَل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَيْهِ، وَهَذَا مُتَعَيِّن فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ مَعَ مَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد مِنْ الْمُوَافَقَة لِقَوَاعِد الشَّرْع فِي الشَّكّ فِي الْأَحْدَاث وَالْمِيرَاث مِنْ الْمَفْقُود وَغَيْر ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
885- قَوْله: «نَظَرَنَا تَسْلِيمه» أَيْ اِنْتَظَرْنَاهُ.
قَوْله فِي حَدِيث اِبْن بُحَيْنَة: «صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْله فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس قَبْل التَّسْلِيم ثُمَّ سَلَّمَ» فيه:- حُجَّة لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَمَالِك وَالْجُمْهُور عَلَى أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ عِنْده السُّجُود لِلنَّقْصِ وَالزِّيَادَة بَعْد السَّلَام.
886- قَوْله: (عَنْ عَبْد اللَّه ابْن بُحَيْنَة الْأَسْدِيّ حَلِيف بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب) أَمَّا الْأَسْدِيّ فَبِإِسْكَانِ السِّين، وَيُقَال فيه: (الْأَزْدِيّ)، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، وَالْأَزْد وَالْأَسْد بِإِسْكَانِ السِّين قَبِيلَة وَاحِدَة، وَهُمَا اِسْمَانِ مُتَرَادِفَانِ لَهَا وَهُمْ أَزْد شَنُوءَة.
وَأَمَّا قَوْله: (حَلِيف بَنِي عَبْد الْمُطَّلِب) فَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ صَحِيح الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد وَغَيْره مِنْ أَهْل السِّيَر وَالتَّوَارِيخ أَنَّهُ حَلِيف بَنِي الْمُطَّلِب، وَكَانَ جَدّه حَالَفَ الْمُطَّلِب بْن عَبْد مَنَافٍ.
887- قَوْله: (عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَالِكٍ ابْن بُحَيْنَة) وَالصَّوَاب فِي هَذَا أَنْ يُنَوَّن مَالِك وَيُكْتَب اِبْن بُحَيْنَة، بِالْأَلِفِ؛ لِأَنَّ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَالِك وَابْن بُحَيْنَة، فَمَالِك أَبُوهُ وَبُحَيْنَة أُمّه، وَهِيَ زَوْجَة مَالِك، فَمَالِك أَبُو عَبْد اللَّه، وَبُحَيْنَة أُمّ عَبْد اللَّه، فَإِذَا قُرِئَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ اِنْتَظَمَ عَلَى الصَّوَاب، وَلَوْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ مَالِك إِلَى (بْن) فَسَدَ الْمَعْنَى وَاقْتَضَى أَنْ يَكُون مَالِك اِبْنًا لِبُحَيْنَة، وَهَذَا غَلَط، وَإِنَّمَا هُوَ زَوْجهَا. وَفِي الْحَدِيث دَلِيل لِمَسَائِل كَثِيرَة. إِحْدَاهَا أَنَّ سُجُود السَّهْو قَبْل السَّلَام إِمَّا مُطْلَقًا كَمَا يَقُولهُ الشَّافِعِيُّ، وَإِمَّا فِي النَّقْص كَمَا يَقُولهُ مَالِك. الثَّانِيَة أَنَّ التَّشَهُّد الْأَوَّل وَالْجُلُوس لَهُ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الصَّلَاة وَلَا وَاجِبَيْنِ إِذْ لَوْ كَانَا وَاجِبَيْنِ لَمَا جَبَرَهُمَا السُّجُود كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُود وَغَيْرهمَا، وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى، وَقَالَ أَحْمَد فِي طَائِفَة قَلِيلَة: هُمَا وَاجِبَانِ، وَإِذَا سَهَا جَبَرَهُمَا السُّجُود عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيث. الثَّالِثَة: فيه: أَنَّهُ يُشْرَع التَّكْبِير لِسُجُودِ السَّهْو، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا فَعَلَهُمَا بَعْد السَّلَام هَلْ يَتَحَرَّم وَيَتَشَهَّد وَيُسَلِّم أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا أَنَّهُ يُسَلِّم وَلَا يَتَشَهَّد، وَهَكَذَا الصَّحِيح عِنْدنَا فِي سُجُود التِّلَاوَة أَنَّهُ يُسَلِّم وَلَا يَتَشَهَّد كَصَلَاةِ الْجِنَازَة، وَقَالَ مَالِك: يَتَشَهَّد وَيُسَلِّم فِي سُجُود السَّهْو بَعْد السَّلَام. وَاخْتَلَفَ قَوْله هَلْ يَجْهَر بِسَلَامِهِمَا كَسَائِرِ الصَّلَوَات أَوْ لَا؟ وَهَلْ يَحْرُم لَهُمَا أَمْ لَا؟ وَقَدْ ثَبَتَ السَّلَام لَهُمَا إِذَا فُعِلَتَا بَعْد السَّلَام فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود وَحَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ وَلَمْ يَثْبُت فِي التَّشَهُّد حَدِيث. وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَسْجُد لِلسَّهْوِ فِي صَلَاة التَّطَوُّع كَالْفَرْضِ، وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ وَقَتَادَة: لَا سُجُود لِلتَّطَوُّعِ، وَهُوَ قَوْل ضَعِيف غَرِيب عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى.
888- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد: «ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم» ظَاهِر الدَّلَالَة لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى كَمَا سَبَقَ فِي أَنَّهُ يَسْجُد لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْص قَبْل السَّلَام، وَسَبَقَ تَقْرِيره فِي كَلَام الْمَازِرِيّ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْض أَصْحَاب مَالِك بِأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى رَوَاهُ مُرْسَلًا، وَهَذَا اِعْتِرَاض بَاطِل لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ الثِّقَات الْحُفَّاظ الْأَكْثَرِينَ رَوَوْهُ مُتَّصِلًا فَلَا يَضُرّ مُخَالَفَة وَاحِد لَهُمْ فِي إِرْسَاله؛ لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا مَا لَمْ يَحْفَظهُ وَهُمْ ثِقَات ضَابِطُونَ حُفَّاظ مُتْقِنُونَ. الثَّانِي أَنَّ الْمُرْسَل عِنْد مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى حُجَّة فَهُوَ وَارِد عَلَيْهِمْ عَلَى كُلّ تَقْدِير.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» أَيْ إِغَاظَة لَهُ وَإِذْلَالًا، مَأْخُوذ مِنْ الرَّغَام وَهُوَ التُّرَاب، وَمِنْهُ أَرْغَمَ اللَّه أَنْفه، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّيْطَان لَبَسَ عَلَيْهِ صَلَاته وَتَعَرَّضَ لِإِفْسَادِهَا وَنَقْصهَا فَجَعَلَ اللَّه تَعَالَى لِلْمُصَلِّي طَرِيقًا إِلَى جَبْر صَلَاته وَتَدَارُك مَا لَبَسَهُ عَلَيْهِ وَإِرْغَام الشَّيْطَان وَرَدّه خَاسِئًا مُبْعَدًا عَنْ مُرَاده، وَكَمُلَتْ صَلَاة اِبْن آدَم، وَامْتَثَلَ أَمْر اللَّه تَعَالَى الَّذِي عَصَى بِهِ إِبْلِيس مِنْ اِمْتِنَاعه مِنْ السُّجُود. وَاللَّهُ أَعْلَم.
889- قَوْله فِي إِسْنَاد حَدِيث اِبْن مَسْعُود: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر وَعُثْمَان اِبْنَا أَبِي شَيْبَة) إِلَى آخِره هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ إِلَّا إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ رَفِيق اِبْنَيْ أَبِي شَيْبَة.
قَوْله: «فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» دَلِيل لِمَنْ قَالَ: يُسَلِّم إِذَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ بَعْد السَّلَام، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان الْخِلَاف فيه.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ» فيه: أَنَّهُ لَا يُؤَخِّر الْبَيَان وَقْت الْحَاجَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي» فيه: دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْكَام الشَّرْع، وَهُوَ مَذْهَب جُمْهُور الْعُلَمَاء، وَهُوَ ظَاهِر الْقُرْآن وَالْحَدِيث، اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَرّ عَلَيْهِ، بَلْ يُعْلِمهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ شَرْطه تَنَبُّهه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَوْر مُتَّصِلًا بِالْحَادِثَةِ، وَلَا يَقَع فيه تَأْخِير، وَجَوَّزَتْ طَائِفَة تَأْخِيره مُدَّة حَيَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاخْتَارَهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَمَنَعَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء السَّهْو عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَفْعَال الْبَلَاغِيَّة وَالْعِبَادَات، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْعه وَاسْتِحَالَته عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَقْوَال الْبَلَاغِيَّة، وَأَجَابُوا عَنْ الظَّوَاهِر الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل؛ فَإِنَّ السَّهْو لَا يُنَاقِض النُّبُوَّة، وَإِذَا لَمْ يُقَرّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُل مِنْهُ مَفْسَدَة، بَلْ تَحْصُل فيه فَائِدَة؛ وَهُوَ بَيَان أَحْكَام النَّاسِي وَتَقْرِير الْأَحْكَام.
قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَاز السَّهْو عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمُور الَّتِي لَا تَتَعَلَّق بِالْبَلَاغِ وَبَيَان أَحْكَام الشَّرْع مِنْ أَفْعَاله وَعَادَاته وَأَذْكَار قَلْبه، فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُور، وَأَمَّا السَّهْو فِي الْأَقْوَال الْبَلَاغِيَّة: فَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعه كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اِمْتِنَاع تَعَمُّده، وَأَمَّا السَّهْو فِي الْأَقْوَال الدُّنْيَوِيَّة، وَفِيمَا لَيْسَ سَبِيله الْبَلَاغ مِنْ الْكَلَام الَّذِي لَا يَتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَلَا أَخْبَار الْقِيَامَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا وَلَا يُضَاف إِلَى وَحْي فَجَوَّزَهُ قَوْم إِذْ لَا مَفْسَدَة فيه، قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَالْحَقّ الَّذِي لَا شَكّ فيه تَرْجِيح قَوْل مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاء فِي كُلّ خَبَر مِنْ الْأَخْبَار، كَمَا لَا يَجُوز عَلَيْهِمْ خُلْف فِي خَبَر لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، لَا فِي صِحَّة وَلَا فِي مَرَض، وَلَا رِضَاء وَلَا غَضَب، وَحَسْبك فِي ذَلِكَ أَنَّ سِيرَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَامه وَأَفْعَاله مَجْمُوعَة مُعْتَنَى بِهَا عَلَى مَرّ الزَّمَان، يَتَدَاوَلهَا الْمُوَافِق وَالْمُخَالِف وَالْمُؤْمِن وَالْمُرْتَاب، فَلَمْ يَأْتِ فِي شَيْء مِنْهَا اِسْتِدْرَاك غَلَط فِي قَوْل، وَلَا اِعْتِرَاف بِوَهْمٍ فِي كَلِمَة، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ سَهْوه فِي الصَّلَاة وَنَوْمه عَنْهَا، وَاسْتِدْرَاكه رَأْيه فِي تَلْقِيح النَّخْل، وَفِي نُزُوله بِأَدْنَى مِيَاه بَدْر، وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاَللَّه لَا أَحْلِف عَلَى يَمِين فَأَرَى غَيْرهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْت الَّذِي هُوَ خَيْر وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي» وَغَيْر ذَلِكَ.
وَأَمَّا جَوَاز السَّهْو فِي الِاعْتِقَادَات فِي أُمُور الدُّنْيَا فَغَيْر مُمْتَنِع وَاللَّهُ أَعْلَم. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي» فيه: أَمْر التَّابِع بِتَذْكِيرِ الْمَتْبُوع بِمَا يَنْسَاهُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاته فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَاب فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَة: «فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ»، وَفِي رِوَايَة: «فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَب ذَلِكَ إِلَى الصَّوَاب»، وَفِي رِوَايَة: «فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَاب». فيه دَلِيل لِأَبِي حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَمُوَافِقِيهِ مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الرَّأْي عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاته فِي عَدَد رَكَعَات تَحَرَّى وَبَنَى عَلَى غَالِب ظَنّه، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَقَلّ وَالْإِتْيَان بِالزِّيَادَةِ وَظَاهِر هَذَا الْحَدِيث- حُجَّة لَهُمْ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَمَالِك- رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى- فِي طَائِفَة: هَذَا لِمَنْ اِعْتَرَاهُ الشَّكّ مَرَّة بَعْد أُخْرَى، وَأَمَّا غَيْره فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِين.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ عَلَى عُمُومه، وَذَهَبَ الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَكّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا مَثَلًا لَزِمَهُ الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين وَهُوَ الْأَقَلّ، فَيَأْتِي بِمَا بَقِيَ وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «فَلْيَطْرَحْ الشَّكّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اِسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتَيْنِ قَبْل أَنْ يُسَلِّم فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاته، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». وَهَذَا صَرِيح فِي وُجُوب الْبِنَاء عَلَى الْيَقِين، وَحَمَلُوا التَّحَرِّي فِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى الْأَخْذ بِالْيَقِينِ. قَالُوا: وَالتَّحَرِّي هُوَ الْقَصْد، وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى: {تَحَرَّوْا رَشَدًا} فَمَعْنَى الْحَدِيث: فَلْيَقْصِدْ الصَّوَاب فَلْيَعْمَلْ بِهِ، وَقَصْد الصَّوَاب هُوَ مَا بَيَّنَهُ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد وَغَيْره، فَإِنْ قَالَتْ الْحَنَفِيَّة: حَدِيث أَبِي سَعِيد لَا يُخَالِف مَا قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّكّ وَهُوَ مَا اِسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَمَنْ شَكَّ وَلَمْ يَتَرَجَّح لَهُ أَحَد الطَّرَفَيْنِ بَنَى عَلَى الْأَقَلّ بِالْإِجْمَاعِ، بِخِلَافِ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا، فَالْجَوَاب: أَنَّ تَفْسِير الشَّكّ بِمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ إِنَّمَا هُوَ اِصْطِلَاح طَارِئ لِلْأُصُولِيِّينَ، وَأَمَّا فِي اللُّغَة فَالتَّرَدُّد بَيْن وُجُود الشَّيْء وَعَدَمه كُلّه يُسَمَّى شَكًّا سَوَاء الْمُسْتَوِي وَالرَّاجِح وَالْمَرْجُوح، وَالْحَدِيث يُحْمَل عَلَى اللُّغَة مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة أَوْ عُرْفِيَّة، وَلَا يَجُوز حَمْله عَلَى مَا يَطْرَأ لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الِاصْطِلَاح. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
890- قَوْله: عَنْ عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْر خَمْسًا فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاة؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت خَمْسًا؛ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» هَذَا فيه: دَلِيل لِمَذْهَبِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف أَنَّ مَنْ زَادَ فِي صَلَاته رَكْعَة نَاسِيًا لَمْ تَبْطُل صَلَاته، بَلْ إِنْ عَلِمَ بَعْد السَّلَام فَقَدْ مَضَتْ صَلَاته صَحِيحَة، وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ إِنْ ذَكَرَ بَعْد السَّلَام بِقَرِيبٍ، وَإِنْ طَالَ فَالْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُ لَا يَسْجُد، وَإِنْ ذَكَرَ قَبْل السَّلَام عَادَ إِلَى الْقَوْم سَوَاء كَانَ فِي قِيَام أَوْ رُكُوع أَوْ سُجُود أَوْ غَيْرهَا، وَيَتَشَهَّد وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ وَيُسَلِّم، وَهَلْ يَسْجُد لِلسَّهْوِ قَبْل السَّلَام أَمْ بَعْده؟ فيه خِلَاف الْعُلَمَاء السَّابِق، هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَهْل الْكُوفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ إِذَا زَادَ رَكْعَة سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاته وَلَزِمَهُ إِعَادَتهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: إِنْ كَانَ تَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَة ثُمَّ زَادَ خَامِسَة أَضَافَ إِلَيْهَا سَادِسَة تَشْفَعهَا، وَكَانَتْ نَفْلًا بِنَاء عَلَى أَصْله فِي أَنَّ السَّلَام لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيَخْرُج مِنْ الصَّلَاة بِكُلِّ مَا يُنَافيها، وَأَنَّ الرَّكْعَة الْمُفْرَدَة لَا تَكُون فِي صَلَاة، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ بَطَلَتْ صَلَاته؛ لِأَنَّ الْجُلُوس بِقَدْرِ التَّشَهُّد وَاجِب وَلَمْ يَأْتِ بِهِ حَتَّى أَتَى بِالْخَامِسَةِ. وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدّ كُلّ مَا قَالُوهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِع مِنْ الْخَامِسَة، وَلَمْ يَشْفَعهَا، وَإِنَّمَا تَذَكَّرَ بَعْد السَّلَام، فَفيه: رَدّ عَلَيْهِمْ وَحُجَّة لِلْجُمْهُورِ، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الزِّيَادَة عَلَى وَجْه السَّهْو لَا تُبْطِل الصَّلَاة، سَوَاء قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْس الصَّلَاة فَسَوَاء زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا أَوْ رَكْعَة أَوْ رَكَعَات كَثِيرَة سَاهِيًا؛ فَصَلَاته صَحِيحَة فِي كُلّ ذَلِكَ، وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ اِسْتِحْبَابًا لَا إِيجَابًا.
وَأَمَّا مَالِك فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: مَذْهَبه أَنَّهُ إِنْ زَادَ دُون نِصْف الصَّلَاة لَمْ تَبْطُل صَلَاته، بَلْ هِيَ صَحِيحَة وَيَسْجُد لِلسَّهْوِ، وَإِنْ زَادَ النِّصْف فَأَكْثَر فَمِنْ أَصْحَابه مَنْ أَبْطَلَهَا، وَهُوَ قَوْل مُطَرِّف وَابْن الْقَاسِم، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ زَادَ رَكْعَتَيْنِ بَطَلَتْ، إِنْ زَادَ رَكْعَة فَلَا، وَهُوَ قَوْل عَبْد الْمَلِك وَغَيْره، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَبْطُل مُطْلَقًا وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَم.
891- قَوْله: (حَدَّثَنَا اِبْن نُمَيْر قَالَ: حَدَّثَنَا اِبْن إِدْرِيس... إِلَى آخِره) وَقَالَ فِي الْإِسْنَاد الْآخَر: حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن أَبِي شَيْبَة إِلَى آخِره. هَذَانِ الْإِسْنَادَانِ كُلّهمْ كُوفِيُّونَ.
قَوْله: (وَأَنْتَ يَا أَعْوَر) فيه: دَلِيل عَلَى جَوَاز قَوْل مِثْل هَذَا الْكَلَام لِقَرَابَتِهِ وَتِلْمِيذه وَتَابِعه إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ، قَالَ الْقَاضِي: إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيُّ الْكُوفِيّ، وَإِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد النَّخَعِيُّ الْأَعْوَر الْآخَر، وَزَعَمَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد التَّيْمِيُّ وَهُوَ وَهْمٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْوَر، وَثَلَاثَتهمْ كُوفِيُّونَ فُضَلَاء.
قَالَ الْبُخَارِيّ: اِبْن يَزِيد النَّخَعِيُّ الْأَعْوَر الْكُوفِيّ سَمِعَ عَلْقَمَة، وَذَكَرَ الْبَاجِيّ: إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيّ الْكُوفِيّ الْفَقِيه: وَقَالَ فيه: الْأَعْوَر، وَلَمْ يَصِفهُ الْبُخَارِيّ بِالْأَعْوَرِ، وَلَا رَأَيْت مَنْ وَصَفَهُ بِهِ، وَذَكَرَ اِبْن قُتَيْبَة فِي الْعُور إِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِبْن سُوَيْدٍ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيّ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد هَذَا آخِر كَلَام الْقَاضِي. وَالصَّوَاب: أَنَّ الْمُرَاد بِإِبْرَاهِيم هُنَا إِبْرَاهِيم بْن سُوَيْدٍ الْأَعْوَر النَّخَعِيُّ، وَلَيْسَ بِإِبْرَاهِيم بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ الْفَقِيه الْمَشْهُور.
قَوْله: (تَوَشْوَشَ الْقَوْم) ضَبَطْنَاهُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة.
وَقَالَ الْقَاضِي: رُوِيَ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَمَعْنَاهُ تَحَرَّكُوا، وَمِنْهُ (وَسْوَاس الْحُلِيّ) بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ تَحَرُّكه، وَوَسْوَسَة الشَّيْطَان.
قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْوَشْوَشَة بِالْمُعْجَمَةِ: صَوْت فِي اِخْتِلَاط.
قَالَ الْأَصْمَعِيّ، وَيُقَال: رَجُل وَشْوَاش أَيْ خَفِيف.
893- قَوْله: (حَدَّثَنَا مِنْجَاب بْن الْحَارِث) إِلَى آخِره، هَذَا الْإِسْنَاد كُلّه كُوفِيُّونَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَقِيلَ: يَا رَسُول اللَّه أَزِيدَ فِي الصَّلَاة شَيْء؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَر مِثْلكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِس، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» هَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُسْتَشْكَل ظَاهِره؛ لِأَنَّ ظَاهِره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ هَذَا الْكَلَام بَعْد أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ قَبْل أَنْ يَسْجُد لِلسَّهْوِ، ثُمَّ بَعْد أَنْ قَالَهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَمَتَى ذَكَرَ ذَلِكَ فَالْحُكْم أَنَّهُ يَسْجُد وَلَا يَتَكَلَّم وَلَا يَأْتِي بِمُنَافٍ لِلصَّلَاةِ، وَيُجَاب عَنْ هَذَا الْإِشْكَال بِثَلَاثَةِ أَوْجُه. أَحَدهَا: أَنَّ (ثُمَّ) هُنَا لَيْسَتْ لِحَقِيقَةِ التَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ جُمْلَة عَلَى جُمْلَة، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحَوُّل وَالسُّجُود كَانَا بَعْد الْكَلَام، بَلْ إِنَّمَا كَانَا قَبْله، وَمِمَّا يُؤَيِّد هَذَا التَّأْوِيل أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْبَاب فِي أَوَّل طُرُق حَدِيث اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ هَذَا بِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُول اللَّه! أَحَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْت كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاة شَيْء أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَر أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكّ أَحَدكُمْ فِي صَلَاته فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَاب، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُد سَجْدَتَيْنِ، فَهَذِهِ الرِّوَايَة صَرِيحَة فِي أَنَّ التَّحَوُّل وَالسُّجُود قَبْل الْكَلَام؛ فَتُحْمَل الثَّانِيَة عَلَيْهَا جَمْعًا بَيْن الرِّوَايَتَيْنِ، وَحَمْل الثَّانِيَة عَلَى الْأُولَى أَوْلَى مِنْ عَكْسه؛ لِأَنَّ الْأُولَى عَلَى وَفْق الْقَوَاعِد. الْجَوَاب الثَّانِي: أَنْ يَكُون هَذَا قَبْل تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة.
الثَّالِث: أَنَّهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا بَعْد السَّلَام لَا يَضُرّهُ ذَلِكَ وَيَسْجُد بَعْده لِلسَّهْوِ، وَهَذَا عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: أَنَّهُ إِذَا سَجَدَ لَا يَكُون بِالسُّجُودِ عَائِدًا إِلَى الصَّلَاة حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ فيه لَا تَبْطُل صَلَاته، بَلْ قَدْ مَضَتْ عَلَى الصِّحَّة. وَالْوَجْه الثَّانِي- وَهُوَ الْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا-: أَنَّهُ يَكُون عَائِدًا وَتَبْطُل صَلَاته بِالْحَدَثِ وَالْكَلَام وَسَائِر الْمُنَافِيَات لِلصَّلَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
896- قَوْله فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ: «إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ إِمَّا الظُّهْر وَإِمَّا الْعَصْر» هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَكَسْر الشِّين وَتَشْدِيد الْيَاء، قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْعَشِيّ عِنْد الْعَرَب مَا بَيْن زَوَال الشَّمْس وَغُرُوبهَا.
قَوْله: «ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَة الْمَسْجِد فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا» هَكَذَا هُوَ فِي كُلّ الْأُصُول: «فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا»، وَالْجِذْع مُذَكَّر، وَلَكِنْ أَنَّثَهُ عَلَى إِرَادَة الْخَشَبَة، وَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ وَغَيْره خَشَبَة.
قَوْله: «فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا» هُوَ بِفَتْحِ الضَّاد.
قَوْله: «وَخَرَجَ سَرَعَان النَّاس: قُصِرَتْ الصَّلَاة» يَعْنِي يَقُولُونَ: قُصِرَتْ الصَّلَاة. وَالسَّرَعَان بِفَتْحِ السِّين وَالرَّاء هَذَا هُوَ الصَّوَاب الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُور مِنْ أَهْل الْحَدِيث وَاللُّغَة، وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُتْقِنُونَ. وَالسَّرَعَان الْمُسْرِعُونَ إِلَى الْخُرُوج. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ بَعْضهمْ إِسْكَان الرَّاء قَالَ: وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيّ فِي الْبُخَارِيّ بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان الرَّاء، وَيَكُون جَمْع سَرِيع، كَقَفِيزِ وَقُفْزَان وَكَثِيب وَكُثْبَان. وَقَوْله: «قُصِرَتْ الصَّلَاة» بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْر الصَّاد وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْقَاف وَضَمّ الصَّاد، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَلَكِنَّ الْأَوَّل أَشْهَر وَأَصَحّ.
قَوْله: «فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ»، وَفِي رِوَايَة: «رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم»، وَفِي رِوَايَة: «رَجُل يُقَال لَهُ: الْخِرْبَاق، وَكَانَ فِي يَده طُول»، وَفِي رِوَايَة: «رَجُل بَسِيط الْيَدَيْنِ». هَذَا كُلّه رَجُل وَاحِد اِسْمه الْخِرْبَاق بْن عَمْرو بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحَّدَة وَآخِره قَاف، وَلَقَبه ذُو الْيَدَيْنِ، لِطُولٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله: بَسِيط الْيَدَيْنِ.
قَوْله: «صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاة الْعَصْر فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ» وَفِي رِوَايَة: «صَلَاة الظُّهْر» قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: هُمَا قَضِيَّتَانِ، وَفِي حَدِيث عِمْرَان بْن الْحُصَيْن: «سَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاث رَكَعَات مِنْ الْعَصْر ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِله، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُل يُقَال لَهُ: الْخِرْبَاق، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه. فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعه وَخَرَجَ غَضْبَان يَجُرّ رِدَاءَهُ»، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «سَلَّمَ فِي ثَلَاث رَكَعَات مِنْ الْعَصْر ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَة، فَقَامَ رَجُل بَسِيط الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاة»، وَحَدِيث عِمْرَان هَذَا قَضِيَّة ثَالِثَة فِي يَوْم آخَر. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: (وَأُخْبِرْت عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَسَلَّمَ) الْقَائِل وَأُخْبِرْت هُوَ: مُحَمَّد بْن سِيرِينَ.
897- قَوْله: «أَقَصِرَتْ الصَّلَاة أَوْ نَسِيت؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» فيه: تَأْوِيلَانِ: أَحَدهمَا- قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا فِي كُتُب الْمَذْهَب-: أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ الْمَجْمُوع، فَلَا يَنْفِي وُجُود أَحَدهمَا. وَالثَّانِي- وَهُوَ الصَّوَاب-: مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَا ذَاكَ وَلَا ذَا فِي ظَنِّيّ، بَلْ ظَنِّيّ أَنِّي أَكْمَلْت الصَّلَاة أَرْبَعًا، وَيَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل، وَأَنَّهُ لَا يَجُوز غَيْره؛ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَات الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَمْ تُقْصَر وَلَمْ أَنَس) فَنَفَى الْأَمْرَيْنِ.
قَوْله: (حَدَّثَنَا هَارُون بْن إِسْمَاعِيل الْخَزَّاز) هُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَة وَزَاي مُكَرَّرَة.
898- قَوْله: «وَخَرَجَ غَضْبَان يَجُرّ رِدَاءَهُ» يَعْنِي لِكَثْرَةِ اِشْتِغَاله بِشَأْنِ الصَّلَاة، خَرَجَ يَجُرّ رِدَاءَهُ وَلَمْ يَتَمَهَّل لِيَلْبَسهُ. قَوْله فِي آخِر الْبَاب فِي حَدِيث إِسْحَاق بْن مَنْصُور: «سَلَّمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم وَاقْتَصَّ الْحَدِيث» هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض الْأُصُول الْمُعْتَمَدَة: «مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ» وَهُوَ الظَّاهِر الْمُوَافِق لِبَاقِي الرِّوَايَات، وَفِي بَعْضهَا: «بَيْن الرَّكْعَتَيْنِ»، وَهُوَ صَحِيح أَيْضًا، وَيَكُون الْمُرَاد بَيْن الرَّكْعَتَيْنِ الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة. وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ هَذَا فيه فَوَائِد كَثِيرَة وَقَوَاعِد مُهِمَّة. مِنْهَا جَوَاز النِّسْيَان فِي الْأَفْعَال وَالْعِبَادَات عَلَى الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَة فِي هَذَا الْبَاب. وَمِنْهَا: أَنَّ الْوَاحِد إِذَا اِدَّعَى شَيْئًا جَرَى بِحَضْرَةِ جَمْع كَثِير لَا يَخَفْ عَلَيْهِمْ سَئَلُوا عَنْهُ وَلَا يُعْمَل بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْر سُؤَال. وَمِنْهَا: إِثْبَات سُجُود السَّهْو، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ، وَأَنَّهُ يُكَبِّر لِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى هَيْئَة سُجُود الصَّلَاة، لِأَنَّهُ أَطْلَقَ السُّجُود، فَلَوْ خَالَفَ الْمُعْتَاد لَبَيَّنَهُ، وَأَنَّهُ يُسَلِّم مِنْ سُجُود السَّهْو، وَأَنَّهُ لَا تَشَهُّد لَهُ وَأَنَّ سُجُود السَّهْو فِي الزِّيَادَة يَكُون بَعْد السَّلَام، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى يَحْمِلهُ عَلَى أَنَّ تَأْخِير سُجُود السَّهْو كَانَ نِسْيَانًا لَا عَمْدًا. وَمِنْهَا: أَنَّ كَلَام النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَاَلَّذِي يُظَنّ أَنَّهُ لَيْسَ فيها لَا يُبْطِلهَا، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَأَخِيهِ عُرْوَة وَعَطَاء وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمِيع الْمُحَدِّثِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيُّ فِي أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ: تَبْطُل صَلَاته بِالْكَلَامِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَزَعَمُوا أَنَّ حَدِيث قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود وَزَيْد بْن أَرْقَم، قَالُوا: لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر، وَنَقَلُوا عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر، وَأَنَّ قَضَيَّته فِي الصَّلَاة كَانَتْ قَبْل بَدْر، قَالُوا: وَلَا يَمْنَع مِنْ هَذَا كَوْن أَبِي هُرَيْرَة رَوَاهُ وَهُوَ مُتَأَخِّر الْإِسْلَام عَنْ بَدْر، لِأَنَّ الصَّحَابِيّ قَدْ يَرْوِي مَا لَا يَحْضُرهُ بِأَنْ يَسْمَعهُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَحَابِيّ آخَر. وَأَجَابَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء عَنْ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ صَحِيحَة حَسَنَة مَشْهُورَة، أَحْسَنهَا وَأَتْقَنُهَا: مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي التَّمْهِيد، قَالَ: أَمَّا اِدِّعَاؤُهُمْ أَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَنْسُوخ بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَغَيْر صَحِيح؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْحَدِيث وَالسِّيَر أَنَّ حَدِيث اِبْن مَسْعُود كَانَ بِمَكَّة حِين رَجَعَ مِنْ أَرْض الْحَبَشَة قَبْل الْهِجْرَة، وَأَنَّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَة عَام خَيْبَر سَنَة سَبْع مِنْ الْهِجْرَة بِلَا خِلَاف.
وَأَمَّا حَدِيث زَيْد بْن أَرْقَم رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَلَيْسَ فيه بَيَان أَنَّهُ قَبْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَوْ بَعْده، وَالنَّظَر يَشْهَد أَنَّهُ قَبْل حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة.
وَأَمَّا قَوْله: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمْ يَشْهَد ذَلِكَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ شُهُوده لَهَا مَحْفُوظ مِنْ رِوَايَات الثِّقَات الْحُفَّاظ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَغَيْرهمَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ فَسَلَّمَ مِنْ اِثْنَيْنِ. وَذَكَرَ الْحَدِيث، وَقِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَفِي رِوَايَات: «صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وَفِي رِوَايَة مُسْلِم وَغَيْره: «بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...» وَذَكَرَ الْحَدِيث، وَفِي رِوَايَة فِي مُسْلِم: «بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...» قَالَ: وَقَدْ رَوَى قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر، وَمُعَاوِيَة بْن حُدَيْج بِضَمِّ الْحَاء الْمُهْمَلَة، وَعِمْرَان بْن حُصَيْنٍ، وَابْن مَسْعَدَةَ رَجُل مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَكُلّهمْ لَمْ يَحْفَظ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا صَحِبَهُ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرًا، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثهمْ بِطُرُقِهَا.
قَالَ: وَابْن مَسْعَدَةَ هَذَا رَجُل مِنْ الصَّحَابَة يُقَال لَهُ: صَاحِب الْجُيُوش اِسْمه: عَبْد اللَّه، مَعْرُوف فِي الصَّحَابَة لَهُ رِوَايَة.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلهمْ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر فَغَلَط، وَإِنَّمَا الْمَقْتُول يَوْم بَدْر ذُو الشِّمَالَيْنِ، وَلَسْنَا نُدَافِعهُمْ أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ يَوْم بَدْر؛ لِأَنَّ اِبْن إِسْحَاق وَغَيْره مِنْ أَهْل السِّيَر ذَكَرَهُ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْم بَدْر.
قَالَ اِبْن إِسْحَاق: ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ عُمَيْر بْن عَمْرو بْن عَيْشَان مِنْ خُزَاعَة حَلِيف لِبَنِي زُهْرَة قَالَ أَبُو عُمَر: فَذُو الْيَدَيْنِ غَيْر ذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ بِدَلِيلِ حُضُور أَبِي هُرَيْرَة وَمَنْ ذَكَرْنَا قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَأَنَّ الْمُتَكَلِّم رَجُل مِنْ بَنِي سَلِيم كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه. وَفِي رِوَايَة عِمْرَان بْن الْحُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِسْمه: الْخِرْبَاق. ذَكَرَهُ مُسْلِم، فَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي شَهِدَ السَّهْو فِي الصَّلَاة سُلَمِيّ، وَذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ خُزَاعِيّ يُخَالِفهُ فِي الِاسْم وَالنَّسَب، وَقَدْ يُمْكِن أَنْ يَكُون رَجُلَانِ وَثَلَاثَة يُقَال لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ: ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشِّمَالَيْنِ، لَكِنَّ الْمَقْتُول بِبَدْرٍ غَيْر الْمَذْكُور فِي حَدِيث السَّهْو. هَذَا قَوْل أَهْل الْحِذْق وَالْفَهْم مِنْ أَهْل الْحَدِيث وَالْفِقْه، ثُمَّ رُوِيَ هَذَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُسَدَّد.
وَأَمَّا قَوْل الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث السَّهْو: إِنَّ الْمُتَكَلِّم ذُو الشِّمَالَيْنِ، فَلَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ، وَقَدْ اِضْطَرَبَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيث ذِي الْيَدَيْنِ اِضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالنَّقْلِ تَرْكه مِنْ رِوَايَته الْخَاصَّة، ثُمَّ ذَكَرَ طُرُقه وَبَيَّنَ اِضْطِرَابهَا فِي الْمَتْن وَالْإِسْنَاد، وَذَكَرَ أَنَّ مُسْلِم بْن الْحَجَّاج غَلَّطَ الزُّهْرِيّ فِي حَدِيثه.
قَالَ أَبُو عُمَر رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ الْمُصَنَّفِينَ فيه عَوَّلَ عَلَى حَدِيث الزُّهْرِيّ فِي قِصَّة ذِي الْيَدَيْنِ، وَكُلّهمْ تَرَكُوهُ لِاضْطِرَابِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتِمّ لَهُ إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْن. فَالْغَلَط لَا يَسْلَم مِنْهُ بَشَر، وَالْكَمَال لِلَّهِ تَعَالَى، وَكُلّ أَحَد يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْرَك إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَوْل الزُّهْرِيّ: أَنَّهُ قُتِلَ يَوْم بَدْر مَتْرُوك لِتَحَقُّقِ غَلَطه فيه. هَذَا كَلَام أَبِي عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ بَسَطَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى شَرْح هَذَا الْحَدِيث بَسْطًا لَمْ يَبْسُطهُ غَيْره مُشْتَمِلًا عَلَى التَّحْقِيق وَالْإِتْقَان وَالْفَوَائِد الْجَمَّة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ وَالْقَوْم وَهُمْ بَعْدُ فِي الصَّلَاة؟ فَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى يَقِين مِنْ الْبَقَاء فِي الصَّلَاة؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجَوِّزِينَ نَسْخ الصَّلَاة مِنْ أَرْبَع إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَلِهَذَا قَالَ: أَقَصِرَتْ الصَّلَاة أَمْ نَسِيت؟ وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَابًا، وَذَلِكَ لَا يُبْطِل عِنْدنَا وَعِنْد غَيْرنَا، وَالْمَسْأَلَة مَشْهُورَة بِذَلِكَ، وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّ الْجَمَاعَة أَوْمَؤُوا أَيْ نَعَمْ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة لَمْ يَتَكَلَّمُوا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْف رَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْل الْجَمَاعَة، وَعِنْدكُمْ لَا يَجُوز لِلْمُصَلِّي الرُّجُوع فِي قَدْر صَلَاته إِلَى قَوْل غَيْره إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، وَلَا يَعْمَل إِلَّا عَلَى يَقِين نَفْسه؟ فَجَوَابه: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمْ لِيَتَذَكَّر، فَلَمَّا ذَكَّرُوهُ تَذَكَّرَ فَعَلِمَ السَّهْو فَبَنَى عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى مُجَرَّد قَوْله، وَلَوْ جَازَ تَرْك يَقِين نَفْسه وَالرُّجُوع إِلَى قَوْل غَيْره لَرَجَعَ ذُو الْيَدَيْنِ حِين قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ تُقْصَر وَلَمْ أَنْس وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَمَل الْكَثِير وَالْخُطُوَات إِذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاة سَهْوًا لَا تُبْطِلهَا، كَمَا لَا يُبْطِلهَا الْكَلَام سَهْوًا. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا عِنْد الْمُتَوَلِّي: لَا يُبْطِلهَا، لِهَذَا الْحَدِيث؛ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشَى إِلَى الْجِذْع وَخَرَجَ السَّرَعَان. وَفِي رِوَايَة: «دَخَلَ الْحُجْرَة ثُمَّ خَرَجَ وَرَجَعَ النَّاس وَبَنَى عَلَى صَلَاته». وَالْوَجْه الثَّانِي- وَهُوَ الْمَشْهُور فِي الْمَذْهَب-: أَنَّ الصَّلَاة تَبْطُل بِذَلِكَ، وَهَذَا مُشْكِل، وَتَأْوِيل الْحَدِيث صَعْب عَلَى مَنْ أَبْطَلَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَم.
899- قَوْله: «إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن فَيَقْرَأ سُورَة فيها سَجْدَة فَيَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِد بَعْضنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَته»، وَفِي رِوَايَة: «فَيَمُرّ بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُد بِنَا فِي غَيْر صَلَاة» فيه إِثْبَات سُجُود التِّلَاوَة، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدنَا وَعِنْد الْجُمْهُور سُنَّة لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَاجِب لَيْسَ بِفَرْضٍ، عَلَى اِصْطِلَاحه فِي الْفَرْق بَيْن الْوَاجِب وَالْفَرْض، وَهُوَ سُنَّة لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِع لَهُ، وَيُسْتَحَبّ أَيْضًا لِلسَّامِعِ الَّذِي لَا يَسْمَع، لَكِنْ لَا يَتَأَكَّد فِي حَقّه تَأَكُّده فِي حَقّ الْمُسْتَمِع الْمُصْغِي.
وَقَوْله: «فَيَسْجُد بِنَا» مَعْنَاهُ يَسْجُد وَنَسْجُد مَعَهُ، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُولَى.
قَالَ الْعُلَمَاء: إِذَا سَجَدَ الْمُسْتَمِع لِقِرَاءَةِ غَيْره وَهُمَا فِي غَيْر صَلَاة لَمْ تَرْتَبِط بِهِ، بَلْ لَهُ أَنْ يَرْفَع قَبْله، وَلَهُ أَنْ يُطَوِّل السُّجُود بَعْده، وَلَهُ أَنْ يَسْجُد إِنْ لَمْ يَسْجُد الْقَارِئ، سَوَاء كَانَ الْقَارِئ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ اِمْرَأَة أَوْ صَبِيًّا أَوْ غَيْرهمْ. وَلِأَصْحَابِنَا وَجْه ضَعِيف: أَنَّهُ لَا يَسْجُد لِقِرَاءَةِ الصَّبِيّ وَالْمُحْدِث وَالْكَافِر، وَالصَّحِيح الْأَوَّل.