فصل: باب بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب صِيَانَةِ الْمَدِينَةِ مِنْ دُخُولِ الطَّاعُونِ وَالدَّجَّالِ إِلَيْهَا:

2449- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى أَنْقَاب الْمَدِينَة مَلَائِكَة لَا يَدْخُلهَا الطَّاعُون وَلَا الدَّجَّال» أَمَّا الْأَنْقَاب فَسَبَقَ شَرْحهَا قَرِيبًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة الْمَدِينَة، وَفَضِيلَة سُكْنَاهَا، وَحِمَايَتهَا مِنْ الطَّاعُون وَالدَّجَّال.

.باب الْمَدِينَةِ تَنْفِي شِرَارَهَا:

2451- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي الْمَدِينَة: «إِنَّهَا تَنْفِي خَبَثهَا وَشِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد» وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «كَمَا تَنْفِي النَّار خَبَث الْفِضَّة» قَالَ الْعُلَمَاء: خَبَث الْحَدِيد وَالْفِضَّة هُوَ وَسَخهمَا وَقَذَرهمَا الَّذِي تُخْرِجهُ النَّار مِنْهُمَا.
قَالَ الْقَاضِي: الْأَظْهَر أَنَّ هَذَا مُخْتَصّ بِزَمَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصْبِر عَلَى الْهِجْرَة وَالْمَقَام مَعَهُ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ إِيمَانه، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَجَهَلَة الْأَعْرَاب فَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى شِدَّة الْمَدِينَة، وَلَا يَحْتَسِبُونَ الْأَجْر فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيّ الَّذِي أَصَابَهُ الْوَعَك: أَقِلْنِي بَيْعَتِي. هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَهَذَا الَّذِي اِدَّعَى أَنَّهُ الْأَظْهَر لَيْسَ بِالْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيث الْأَوَّل فِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَنْفِي الْمَدِينَة شِرَارهَا كَمَا يَنْفِي الْكِير خَبَث الْحَدِيد» وَهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم فِي زَمَن الدَّجَّال، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي أَوَاخِر الْكِتَاب فِي أَحَادِيث الدَّجَّال: «أَنَّهُ يَقْصِد الْمَدِينَة فَتَرْجُف الْمَدِينَة ثَلَاث رَجَفَات يُخْرِج اللَّه بِهَا مِنْهَا كُلّ كَافِر وَمُنَافِق» فَيَحْتَمِل أَنَّهُ مُخْتَصّ بِزَمَنِ الدَّجَّال، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ فِي أَزْمَان مُتَفَرِّقَة وَاَللَّه أَعْلَم.
2452- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْت بَقَرْيَةٍ تَأْكُل الْقُرَى» مَعْنَاهُ أُمِرْت بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهَا وَاسْتِيطَانهَا، وَذَكَرُوا فِي مَعْنَى (أَكْلهَا الْقُرَى) وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّهَا مَرْكَز جُيُوش الْإِسْلَام فِي أَوَّل الْأَمْر، فَمِنْهَا فُتِحَتْ الْقُرَى وَغُنِمَتْ أَمْوَالهَا وَسَبَايَاهَا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ: أَنَّ أَكْلهَا وَمِيرَتهَا تَكُون مِنْ الْقُرَى الْمُفْتَتِحَة، وَإِلَيْهَا تُسَاق غَنَائِمهَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُونَ يَثْرِب وَهِيَ الْمَدِينَة» يَعْنِي أَنَّ بَعْض النَّاس مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْرهمْ يُسَمُّونَهَا (يَثْرِب) وَإِنَّمَا اِسْمهَا (الْمَدِينَة) و(طَابَة) و(طَيْبَة) فَفِي هَذَا كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا (يَثْرِب)، وَقَدْ جَاءَ فِي مُسْنَد أَحْمَد بْن حَنْبَل حَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا (يَثْرِب)، وَحُكِيَ عَنْ عِيسَى بْن دِينَار أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَمَّاهَا (يَثْرِب) كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَة، قَالُوا: وَسَبَب كَرَاهَة تَسْمِيَتهَا (يَثْرِب) لَفْظ (التَّثْرِيب) الَّذِي هُوَ التَّوْبِيخ وَالْمَلَامَة، وَسُمِّيَتْ (طَيْبَة وَطَابَة) لِحُسْنِ لَفْظهمَا، وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبّ الِاسْم الْحَسَن، وَيَكْرَه الِاسْم الْقَبِيح، وَأَمَّا تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن (يَثْرِب) فَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَة عَنْ قَوْل الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض، قَالَ الْعُلَمَاء: وَلِمَدِينَةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَاء (الْمَدِينَة) قَالَ اللَّه تَعَالَى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْل الْمَدِينَة}. وَطَابَة وَطَيْبَة. وَالدَّار. فَأَمَّا (الدَّار) فَلِأَمْنِهَا وَالِاسْتِقْرَار بِهَا، وَأَمَّا (طَابَة وَطَيْبَة) فَمِنْ الطِّيب وَهُوَ الرَّائِحَة الْحَسَنَة، وَالطَّاب وَالطِّيب لُغَتَانِ، وَقِيلَ: مِنْ الطَّيِّب- بِفَتْحِ الطَّاء وَتَشْدِيد الْيَاء- وَهُوَ الطَّاهِر، لِخُلُوصِهَا مِنْ الشِّرْك، وَطَهَارَتهَا، وَقِيلَ: مِنْ طِيب الْعَيْش بِهَا، وَأَمَّا (الْمَدِينَة) فَفيها قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة أَحَدهمَا وَبِهِ جَزَمَ قُطْرُب وَابْن فَارِس وَغَيْرهمَا: أَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ (دَانَ) إِذَا أَطَاعَ، وَالدِّين الطَّاعَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُشْتَقَّة مِنْ (مَدَن) بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ، وَجَمْع الْمَدِينَة: مُدُن وَمُدْن بِإِسْكَانِ الدَّال وَضَمّهَا، وَمَدَائِن بِالْهَمْزِ وَتَرْكه وَالْهَمْز أَفْصَح، بِهِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز. وَاَللَّه أَعْلَم.
2453- قَوْله: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيّ وَعَك بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيّ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْمَدِينَة كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثهَا»، قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا لَمْ يُقِلْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَته لِأَنَّهُ لَا يَجُوز لِمَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَتْرُك الْإِسْلَام، وَلَا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَقَامِ عِنْده أَنْ يَتْرُك الْهِجْرَة وَيَذْهَب إِلَى وَطَنه أَوْ غَيْره، قَالُوا: وَهَذَا الْأَعْرَابِيّ كَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ وَبَايَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَقَام مَعَهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِل أَنَّ بَيْعَة هَذَا الْأَعْرَابِيّ كَانَتْ بَعْد فَتْح مَكَّة وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَام، وَطَلَب الْإِقَالَة مِنْهُ فَلَمْ يُقِلْهُ، وَالصَّحِيح الْأَوَّل. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: «فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيّ وَعَك» هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْن وَهُوَ مَغْث الْحُمَّى وَأَلَمُهَا، وَوَعَك كُلّ شَيْء مُعْظَمه وَشِدَّته. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْمَدِينَة كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثهَا وَيَنْصَع طِيبهَا» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَة، أَيْ: يَصْفُو وَيَخْلُص وَيَتَمَيَّز، وَالنَّاصِع: الصَّافِي الْخَالِص، وَمِنْهُ قَوْلهمْ: نَاصِع اللَّوْن، أَيْ: صَافيه وَخَالِصه، وَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّهُ يَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة مَنْ لَمْ يَخْلُص إِيمَانه، وَيَبْقَى فيها مَنْ خَلَصَ إِيمَانه، قَالَ أَهْل اللُّغَة: يُقَال نَصَعَ الشَّيْء يَنْصَع بِفَتْحِ الصَّاد فيهمَا نُصُوعًا إِذَا خَلَصَ وَوَضَح، وَالنَّاصِع: الْخَالِص مِنْ كُلّ شَيْء.
2455- قَوْله (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد وَهَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب وَأَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة) هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ، وَوَقَعَ فِي أَكْثَرهَا بِحَذْفِ ذِكْر (أَبِي كُرَيْب).
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّه سَمَّى الْمَدِينَة طَابَة» هَذَا فيه اِسْتِحْبَاب تَسْمِيَتهَا (طَابَة) وَلَيْسَ فيه (أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ) فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّه تَعَالَى الْمَدِينَة فِي مَوَاضِع مِنْ الْقُرْآن، وَسَمَّاهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَيْبَة» فِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْل هَذَا مِنْ هَذَا الْبَاب، وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاح الْجَمِيع فِي هَذَا الْبَاب. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ:

2456- قَوْله: (أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن يُحَنَّسَ عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ) هَكَذَا صَوَابه أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بِفَتْحِ الْعَيْن مُكَبَّرًا، وَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا، وَمُعْظَم نُسَخ الْمَغَارِبَة، وَوَقَعَ فِي بَعْضهَا (عُبَيْد اللَّه) بِضَمِّ الْعَيْن مُصَغَّرَة وَهُوَ غَلَط، وَيُحَنَّس بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحهَا، سَبَقَ بَيَانه قَرِيبًا فِي بَاب التَّرْغِيب فِي سُكْنَى الْمَدِينَة. و(الْقَرَّاظ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَة مَنْسُوب إِلَى الْقَرَظ الَّذِي يُدْبَغ بِهِ.
قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم. لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعهُ، وَاسْم أَبِي عَبْد اللَّه الْقَرَّاظ هَذَا (دِينَار) وَقَدْ سَمَّاهُ فِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْد هَذِهِ فِي حَدِيثه عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَرَادَ أَهْل هَذِهِ الْبَلْدَة بِسُوءٍ» يَعْنِي الْمَدِينَة أَذَابَهُ اللَّه كَمَا يَذُوب الْمِلْح فِي الْمَاء. قِيلَ يَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد مَنْ أَرَادَهَا غَازِيًا مُغِيرًا عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِل غَيْر ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا فِي الْأَبْوَاب السَّابِقَة.
2458- قَوْله: غَيْر أَنَّهُ قَالَ: «بِدَهْمٍ أَوْ بِسُوءٍ» هُوَ بِفَتْحِ الدَّال الْمُهْمَلَة وَإِسْكَان الْهَاء أَيْ: بِغَائِلَةٍ وَأَمْر عَظِيم. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب التَّرْغِيبِ فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ فَتْحِ الأَمْصَارِ:

2459- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُفْتَح الشَّام فَيَخْرُج مِنْ الْمَدِينَة قَوْم بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ وَالْمَدِينَة خَيْر لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» قَالَ أَهْل اللُّغَة: يَبُسُّونَ بِفَتْحِ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَبَعْدهَا بَاءَ مُوَحَّدَة تُضَمّ وَتُكْسَر، وَيُقَال أَيْضًا: بِضَمِّ الْمُثَنَّاة مَعَ كَسْر الْمُوَحَّدَة، فَتَكُون اللَّفْظَة ثُلَاثِيَّة وَرُبَاعِيَّة، فَحَصَلَ فِي ضَبْطه ثَلَاثَة أَوْجُه، وَمَعْنَاهُ: يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَدْعُونَ النَّاس إِلَى بِلَاد الْخِصْب، وَهُوَ قَوْل إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد: مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ، وَالْبَسّ: سَوق الْإِبِل، وَقَالَ اِبْن وَهْب: مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لَهُمْ الْبِلَاد وَيُحَبِّبُونَهَا إِلَيْهِمْ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرَّحِيل إِلَيْهَا، وَنَحْوه فِي الْحَدِيث السَّابِق: «يَدْعُو الرَّجُل اِبْن عَمّه وَقَرِيبه هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاء» وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ الدَّوَابّ إِلَى الْمَدِينَة فَيَبُسُّونَ مَا يَطْوُونَ مِنْ الْأَرْض وَيَفُتُّونَهُ فَيَصِير غُبَارًا، وَيَفْتِنُونَ مَنْ بِهَا لِمَا يَصِفُونَ لَهُمْ مِنْ رَغَد الْعَيْش، وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل، بَلْ الصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ: الْإِخْبَار عَمَّنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ، بَاسًّا فِي سَيْره مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاء فِي الْأَمْصَار الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَتْحِهَا.
قَالَ الْعُلَمَاء: فِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَقَالِيم، وَأَنَّ النَّاس يَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَيْهَا وَيَتْرُكُونَ الْمَدِينَة، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيم تُفْتَح عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، وَوُجِدَ جَمِيع ذَلِكَ كَذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّه وَفَضْله. وَفيه: فَضِيلَة سُكْنَى الْمَدِينَة، وَالصَّبْر عَلَى شِدَّتهَا وَضِيق الْعَيْش بِهَا. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب فِي الْمَدِينَةِ حِينَ يَتْرُكُهَا أَهْلُهَا:

2461- قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَدِينَةِ: «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلهَا عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ مُذَلَّلَة لِلْعَوَافِي» يَعْنِي السِّبَاع وَالطَّيْر، وَفِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة: «يَتْرُكُونَ الْمَدِينَة عَلَى خَيْر مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي» يُرِيد عَوَافِي السِّبَاع وَالطَّيْر، ثُمَّ يَخْرُج رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَة يُرِيدَانِ الْمَدِينَة يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّة الْوَدَاع خَرَّا عَلَى وُجُوههمَا.
أَمَّا: «الْعَوَافِي»: فَقَدْ فَسَّرَهَا فِي الْحَدِيث بِالسِّبَاعِ وَالطَّيْر، وَهُوَ صَحِيح فِي اللُّغَة، مَأْخُوذ مِنْ عَفَوْته إِذَا أَتَيْته تَطْلُب مَعْرُوفه.
وَأَمَّا مَعْنَى الْحَدِيث فَالظَّاهِر الْمُخْتَار: أَنَّ هَذَا التَّرْك لِلْمَدِينَةِ يَكُون فِي آخِر الزَّمَان، عِنْد قِيَام السَّاعَة، وَتُوَضِّحهُ قِصَّة الرَّاعِيَيْنِ مِنْ مُزَيْنَة فَإِنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوههمَا حِين تُدْرِكهُمَا السَّاعَة، وَهُمَا آخِر مَنْ يُحْشَر كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ، فَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُخْتَار، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا مَا جَرَى فِي الْعَصْر الْأَوَّل وَانْقَضَى، قَالَ: وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَاته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ تُرِكَتْ الْمَدِينَة عَلَى أَحْسَن مَا كَانَتْ حِين اِنْتَقَلَتْ الْخِلَافَة عَنْهَا إِلَى الشَّام وَالْعِرَاق، وَذَلِكَ الْوَقْت أَحْسَن مَا كَانَتْ الدِّين وَالدُّنْيَا، أَمَّا الدِّين فَلِكَثْرَةِ الْعُلَمَاء وَكَمَالهمْ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلِعِمَارَتِهَا وَغَرْسهَا وَاتِّسَاع حَال أَهْلهَا، قَالَ: وَذَكَرَ الْأَخْبَارِيُّونَ فِي بَعْض الْفِتَن الَّتِي جَرَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَخَافَ أَهْلهَا أَنَّهُ رَحَلَ عَنْهَا أَكْثَر النَّاس وَبَقِيَتْ ثِمَارهَا أَوْ أَكْثَرهَا لِلْعَوَافِي، وَخَلَتْ مُدَّة ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاس إِلَيْهَا قَالَ: وَحَالهَا الْيَوْم قَرِيب مِنْ هَذَا، وَقَدْ خَرِبَتْ أَطْرَافهَا، هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَاَللَّه أَعْلَم.
2462- وَمَعْنَى: «يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا»: يَصِيحَانِ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا» وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ (وُحُوشًا) قِيلَ: مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا خَلَاء، أَيْ خَالِيَة لَيْسَ بِهَا أَحَد، قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الْوَحْش مِنْ الْأَرْض هُوَ الْخَلَاء، وَالصَّحِيح أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَات وُحُوش، كَمَا فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي» وَيَكُون وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشًا، وَأَصْل الْوَحْش: كُلّ شَيْء تَوَحَّشَ مِنْ الْحَيَوَان، وَجَمْعه وُحُوش، وَقَدْ يُعَبَّر بِوَاحِدٍ عَنْ جَمْعه كَمَا فِي غَيْره، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ اِبْن الْمُرَابِط أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمهمَا تَصِير وُحُوشًا، إِمَّا أَنْ تَنْقَلِب ذَاتهَا فَتَصِير وُحُوشًا، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّش وَتَنْفِر مِنْ أَصْوَاتهَا، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي هَذَا، وَاخْتَارَ أَنَّ الضَّمِير فِي (يَجِدَانِهَا) عَائِد إِلَى الْمَدِينَة لَا إِلَى الْغَنَم، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَقَوْل اِبْن الْمُرَابِط غَلَط. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ:

2463- قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا بَيْن بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاض الْجَنَّة» ذَكَرُوا فِي مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا: أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِع بِعَيْنِهِ يُنْقَل إِلَى الْجَنَّة، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِبَادَة فيه تُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّة.
قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي الْمُرَاد: «بِبَيْتِي» هُنَا قَوْلَانِ: أَحَدهمَا الْقَبْر، قَالَهُ زَيْد بْن أَسْلَمَ كَمَا رُوِيَ مُفَسَّرًا بَيْن قَبْرِي وَمِنْبَرِي، وَالثَّانِي: الْمُرَاد بَيْت سُكْنَاهُ عَلَى ظَاهِره، وَرُوِيَ: «مَا بَيْن حُجْرَتِي وَمِنْبَرِي» قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ لِأَنَّ قَبْره فِي حُجْرَته وَهِيَ بَيْته.
2465- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» قَالَ الْقَاضِي: قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء: الْمُرَاد مِنْبَره بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر، قَالَ وَأَنْكَرَ كَثِير مِنْهُمْ غَيْره، قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْبَرًا عَلَى حَوْضه، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ قَصْد مِنْبَره، وَالْحُضُور عِنْده لِمُلَازَمَةِ الْأَعْمَال الصَّالِحَة يُورِد صَاحِبه الْحَوْض وَيَقْتَضِي شُرْبه مِنْهُ، وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ:

2467- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أُحُدًا جَبَل يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ» قِيلَ: مَعْنَاهُ يُحِبّنَا أَهْله، وَهُمْ أَهْل الْمَدِينَة، وَنُحِبّهُمْ، وَالصَّحِيح أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَأَنَّ مَعْنَاهُ يُحِبّنَا هُوَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّه فيه تَمْيِيزًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث قَرِيبًا. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب فَضْلِ الصَّلاَةِ بِمَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ:

2469- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام» اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَذَا الِاسْتِثْنَاء عَلَى حَسَب اِخْتِلَافهمْ فِي مَكَّة وَالْمَدِينَة أَيَّتهمَا أَفْضَل؟ وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء: أَنَّ مَكَّة أَفْضَل مِنْ الْمَدِينَة، وَأَنَّ مَسْجِد مَكَّة أَفْضَل مِنْ مَسْجِد الْمَدِينَة، وَعَكَسَهُ مَالِك وَطَائِفَة، فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور مَعْنَاهُ: إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فيه أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي مَسْجِدِي.
وَعِنْد مَالِك وَمُوَافِقِيهِ: إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فِي مَسْجِدِي تَفْضُلهُ، بِدُونِ الْأَلْف، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِع قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل بِقَاعِ الْأَرْض، وَأَنَّ مَكَّة وَالْمَدِينَة أَفْضَل بِقَاعِ الْأَرْض. وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلهمَا مَا عَدَا مَوْضِع قَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عُمَر وَبَعْض الصَّحَابَة وَمَالِك وَأَكْثَر الْمَدَنِيِّينَ: الْمَدِينَة أَفْضَل، وَقَالَ أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن وَهْب وَابْن حَبِيب الْمَالِكِيَّانِ: مَكَّة أَفْضَل، قُلْت: وَمِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَصْحَابنَا لِتَفْضِيلِ مَكَّة حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَدِيّ بْن الْحَمْرَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِف عَلَى رَاحِلَته بِمَكَّة يَقُول: «وَاَللَّه إِنَّك لَخَيْر أَرْض اللَّه وَأَحَبّ أَرْض اللَّه إِلَى اللَّه، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حَسَن صَحِيح، وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَة صَلَاة فِي مَسْجِدِي» حَدِيث حَسَن رَوَاهُ أَحْمَد بْن حَنْبَل فِي مُسْنَده، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرهمَا بِإِسْنَادٍ حَسَن. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ هَذَا التَّفْضِيل بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ، بَلْ يَعُمّ الْفَرْض وَالنَّفْل جَمِيعًا وَبِهِ قَالَ مُطَرَّف مِنْ أَصْحَاب مَالِك، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: يَخْتَصّ بِالْفَرْضِ، وَهَذَا مُخَالِف إِطْلَاق هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة تَزِيد عَلَى فَضِيلَة الْأَلْف فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام؛ لِأَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْف؛ بَلْ هِيَ زَائِدَة عَلَى الْأَلْف، كَمَا صُرِّحَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيث: «أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة» «وَخَيْر مِنْ أَلْف صَلَاة» وَنَحْوه، قَالَ الْعُلَمَاء: وَهَذَا فِيمَا يَرْجِع إِلَى الثَّوَاب، فَثَوَاب صَلَاة فيه يَزِيد عَلَى ثَوَاب أَلْف فِيمَا سِوَاهُ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْإِجْزَاء عَنْ الْفَوَائِت، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِد الْمَدِينَة صَلَاة، لَمْ تُجْزِئهُ عَنْهُمَا، وَهَذَا لَا خِلَاف فيه. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَة مُخْتَصَّة بِنَفْسِ مَسْجِده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانه دُون مَا زِيدَ فيه بَعْده، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِص الْمُصَلِّي عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَفَطَّن لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا فِي كِتَاب الْمَنَاسِك، وَاَللَّه أَعْلَم.
2474- قَوْله: وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَة بْن سَعِيد وَمُحَمَّد بْن رُمْح جَمِيعًا عَنْ اللَّيْث بْن سَعْد قَالَ قُتَيْبَة: حَدَّثَنَا لَيْث عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اِمْرَأَة اِشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللَّه لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْت الْمَقْدِس، وَذَكَرَ الْحَدِيث إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: صَلَاة فيه أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا مَسْجِد الْكَعْبَة» هَذَا الْحَدِيث مِمَّا أُنْكِر عَلَى مُسْلِم بِسَبَبِ إِسْنَاده، قَالَ الْحُفَّاظ ذِكْرُ اِبْن عَبَّاس فيه وَهْم، وَصَوَابه (عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة) هَكَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ مِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَابْن جُرَيْج عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة مِنْ غَيْر ذِكْر اِبْن عَبَّاس، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنْ اللَّيْث عَنْ نَافِع عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ مَيْمُونَة، وَلَمْ يَذْكُر اِبْن عَبَّاس، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل: وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضهمْ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ مَيْمُونَة، وَلَيْسَ يَثْبُت، وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير: إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب عَنْ أَبِيهِ وَمَيْمُونَة، وَذَكَرَ حَدِيثه هَذَا مِنْ طَرِيق اللَّيْث وَابْن جُرَيْجٍ وَلَمْ يَذْكُر فيه اِبْن عَبَّاس، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ لَنَا الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ: أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيم بْن مَعْبَد حَدَّثَ أَنَّ اِبْن عَبَّاس حَدَّثَهُ عَنْ مَيْمُونَة، قَالَ الْبُخَارِيّ: وَلَا يَصِحّ فيه اِبْن عَبَّاس، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ بَعْضهمْ صَوَابه إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد بْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اِمْرَأَة اِشْتَكَتْ، قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم قَبْل هَذَا فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَبْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر، وَحَدِيث مُوسَى الْجُهَنِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر، وَحَدِيث أَيُّوب عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر، وَهَذَا مِمَّا اِسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِم.
وَقَالَ: لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ عَنْ أَيُّوب، وَعَلَّلَ الْحَدِيث عَنْ نَافِع بِذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ خَالَفَهُمْ اللَّيْث وَابْن جُرَيْجٍ فَرَوَيَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن مَعْبَد عَنْ مَيْمُونَة.
وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِم الرِّوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُر الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه رِوَايَة نَافِع بِوَجْهٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه رِوَايَة عَبْد اللَّه وَمُوسَى عَنْ نَافِع، قَالَ: وَالْأَوَّل أَصَحّ، يَعْنِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه عَنْ مَيْمُونَة كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَاَللَّه أَعْلَم.
قُلْت: وَيَحْتَمِل صِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَهُ مُسْلِم، وَلَيْسَ هَذَا الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَتْن صَحِيح بِلَا خِلَاف. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (عَنْ مَيْمُونَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا أَفْتَتْ اِمْرَأَة نَذَرَتْ الصَّلَاة فِي بَيْت الْمَقْدِس أَنْ تُصَلِّي فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَدَلَّتْ بِالْحَدِيثِ) هَذِهِ الدَّلَالَة ظَاهِرَة، وَهَذَا حُجَّة لِأَصَحّ الْأَقْوَال فِي مَذْهَبنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، فَإِنَّهُ إِذَا نَذَرَ صَلَاة فِي مَسْجِد الْمَدِينَة أَوْ الْأَقْصَى هَلْ تَتَعَيَّن؟ فيه قَوْلَانِ، الْأَصَحّ: تَتَعَيَّن، فَلَا تُجْزِئهُ تِلْكَ الصَّلَاة فِي غَيْره، وَالثَّانِي: لَا تَتَعَيَّن بَلْ تُجْزِئهُ تِلْكَ الصَّلَاة حَيْثُ صَلَّى، فَإِذْ قُلْنَا تَتَعَيَّن فَنَذْرهَا فِي أَحَد هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيهَا فِي الْآخَر، فَفيه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحَدهَا: يَجُوز، وَالثَّانِي لَا يَجُوز، وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَصَحّ إِنْ نَذَرَهَا فِي الْأَقْصَى جَازَ الْعُدُول إِلَى مَسْجِد الْمَدِينَة دُون عَكْسه. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ:

2475- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُشَدّ الرِّحَال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِد الْحَرَام، وَمَسْجِد الْأَقْصَى» وَفِي رِوَايَة: «وَمَسْجِد إِيلِيَاء» هَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيح مُسْلِم هُنَا، وَمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْأَقْصَى، وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى صِفَته، وَقَدْ أَجَازَهُ النَّحْوِيُّونَ الْكُوفِيُّونَ، وَتَأَوَّلَهُ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّ فيه مَحْذُوفًا تَقْدِيره: مَسْجِد الْمَكَان الْحَرَام، وَالْمَكَان الْأَقْصَى، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنْت بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ} أَيْ الْمَكَان الْغَرْبِيّ وَنَظَائِره، وَأَمَّا (إِيلِيَاء) فَهُوَ بَيْت الْمَقْدِس، وَفيه ثَلَاث لُغَات أَفْصَحهنَّ وَأَشْهَرهنَّ هَذِهِ الْوَاقِعَة هُنَا (إِيلِيَاء) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَاللَّام وَبِالْمَدِّ، وَالثَّانِيَة كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ مَقْصُور، وَالثَّالِثَة: (إِلَيَاء) بِحَذْفِ الْيَاء وَبِالْمَدِّ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: فَضِيلَة هَذِهِ الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة، وَفَضِيلَة شَدّ الرِّحَال إِلَيْهَا، لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء: لَا فَضِيلَة فِي شَدّ الرِّحَال إِلَى مَسْجِد غَيْرهَا.
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مِنْ أَصْحَابنَا: يَحْرُم شَدّ الرِّحَال إِلَى غَيْرهَا وَهُوَ غَلَط، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذَا الْحَدِيث وَشَرْحه قَبْل هَذَا بِقَلِيلٍ فِي بَاب سَفَر الْمَرْأَة مَعَ مَحْرَم إِلَى الْحَجّ وَغَيْره.
2476- سبق شرحه بالباب.

.باب بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ:

2477- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاء فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْض ثُمَّ قَالَ هُوَ مَسْجِدكُمْ هَذَا- لِمَسْجِدِ الْمَدِينَة-» هَذَا نَصّ بِأَنَّهُ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَرَدّ لِمَا يَقُول بَعْض الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ مَسْجِد قُبَاء، وَأَمَّا أَخْذه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَصْبَاء وَضَرْبه فِي الْأَرْض، فَالْمُرَاد بِهِ الْمُبَالَغَة فِي الْإِيضَاح لِبَيَانِ أَنَّهُ مَسْجِد الْمَدِينَة.
وَالْحَصْبَاء بِالْمَدِّ: الْحَصَى الصِّغَار.

.باب فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَفَضْلِ الصَّلاَةِ فِيهِ وَزِيَارَتِهِ:

2478- قَوْله: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُور قُبَاء مَاشِيًا وَرَاكِبًا» وَفِي رِوَايَة: «أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فيه رَكْعَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَة: «أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَأْتِي مَسْجِد قُبَاء كُلّ سَبْت وَكَانَ يَقُول: رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِيه كُلّ سَبْت» أَمَّا (قُبَاء) فَالصَّحِيح الْمَشْهُور فيه الْمَدّ وَالتَّذْكِير وَالصَّرْف، وَفِي لُغَة مَقْصُور، وَفِي لُغَة مُؤَنَّث، وَفِي لُغَة مُذَكَّر غَيْر مَصْرُوف، وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْمَدِينَة مِنْ عَوَالِيهَا.
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث: بَيَان فَضْله وَفَضْل مَسْجِده وَالصَّلَاة فيه، وَفَضِيلَة زِيَارَته، وَأَنَّهُ تَجُوز زِيَارَته رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهَكَذَا جَمِيع الْمَوَاضِع الْفَاضِلَة تَجُوز زِيَارَتهَا رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَفيه: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ تَكُون صَلَاة النَّفْل بِالنَّهَارِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ اللَّيْل، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور. وَفيه خِلَاف أَبِي حَنِيفَة، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الصَّلَاة.
وَقَوْله: «كُلّ سَبْت» فيه: جَوَاز تَخْصِيص بَعْض الْأَيَّام بِالزِّيَارَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَقَوْل الْجُمْهُور، وَكَرِهَ اِبْن مَسْلَمَة الْمَالِكِيّ ذَلِكَ، قَالُوا: لَعَلَّهُ لَمْ تَبْلُغهُ هَذِهِ الْأَحَادِيث، وَاَللَّه أَعْلَم. وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة، وَبِهِ التَّوْفِيق وَالْعِصْمَة.
2479- سبق شرحه بالباب.
2480- سبق شرحه بالباب.
2481- سبق شرحه بالباب.
2482- سبق شرحه بالباب.
2483- سبق شرحه بالباب.
2484- سبق شرحه بالباب.
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم

.كِتَاب النِّكَاح:

هُوَ فِي اللُّغَة: الضَّمّ، وَيُطْلَق عَلَى الْعَقْد وَعَلَى الْوَطْء، قَالَ الْإِمَام أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن أَحْمَد الْوَاحِدِيّ النَّيْسَابُورِيّ: قَالَ الْأَزْهَرِيّ: أَصْل النِّكَاح فِي كَلَام الْعَرَب الْوَطْء، وَقِيلَ لِلتَّزْوِيجِ: نِكَاح؛ لِأَنَّهُ سَبَب الْوَطْء، يُقَال: نَكَحَ الْمَطَر الْأَرْض، وَنَكَحَ النُّعَاس عَيْنه: أَصَابَهَا، قَالَ الْوَاحِدِيّ: وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الزَّجَّاجِيّ: النِّكَاح فِي كَلَام الْعَرَب: الْوَطْء وَالْعَقْد جَمِيعًا، قَالَ: وَمَوْضِع (ن ك ح) عَلَى هَذَا التَّرْتِيب فِي كَلَام الْعَرَب لِلُزُومِ الشَّيْء الشَّيْء رَاكِبًا عَلَيْهِ، هَذَا كَلَام الْعَرَب الصَّحِيح، فَإِذَا قَالُوا نَكَحَ فُلَان فُلَانَة يَنْكِحهَا نَكْحًا وَنِكَاحًا أَرَادُوا تَزَوَّجَهَا، وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ: فَرَّقَتْ الْعَرَب بَيْنهمَا فَرْقًا لَطِيفًا فَإِذَا قَالُوا نَكَحَ فُلَانَة بِنْت فُلَان أَوْ أُخْته أَرَادُوا عَقَدَ عَلَيْهَا، وَإِذَا قَالُوا: نَكَحَ اِمْرَأَته أَوْ زَوْجَته لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الْوَطْء؛ لِأَنَّ بِذِكْرِ اِمْرَأَته وَزَوْجَته يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْر الْعَقْد، قَالَ الْفَرَّاء: الْعَرَب تَقُول: نُكْح الْمَرْأَة بِضَمِّ النُّون: بُضْعهَا، وَهُوَ كِنَايَة عَنْ الْفَرْج، فَإِذَا قَالُوا: نَكَحَهَا، أَرَادُوا أَصَابَ نُكْحَها وَهُوَ فَرْجهَا، وَقَلَّمَا يُقَال: نَاكَحَهَا كَمَا يُقَال بَاضَعَهَا. هَذَا آخِر مَا نَقَلَهُ الْوَاحِدِيّ.
وَقَالَ اِبْن فَارِس وَالْجَوْهَرِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ أَهْل اللُّغَة: النِّكَاح الْوَطْء، وَقَدْ يَكُون الْعُقْدَة، وَيُقَال: نَكَحْتهَا وَنَكَحَت هِيَ أَيْ تَزَوَّجْت، وَأَنْكَحْته زَوَّجْته، وَهِيَ نَاكِح أَيْ ذَات زَوْج، وَاسْتَنْكَحَهَا تَزَوَّجَهَا: هَذَا كَلَام أَهْل اللُّغَة.
وَأَمَّا حَقِيقَة النِّكَاح عِنْد الْفُقَهَاء فَفيها ثَلَاثَة أَوْجُه لِأَصْحَابِنَا- حَكَاهَا الْقَاضِي حُسَيْن مِنْ أَصْحَابنَا فِي تَعْلِيقه- أَصَحّهَا: أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْعَقْد، مَجَاز فِي الْوَطْء، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب، وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَال لَهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْره، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْأَحَادِيث.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْوَطْء مَجَاز فِي الْعَقْد، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة.
وَالثَّالِث: حَقِيقَة فيهمَا بِالِاشْتِرَاكِ. وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب اسْتِحْبَابِ النِّكَاحِ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ وَوَجَدَ مُؤْنَةً وَاشْتِغَالِ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْمُؤَنِ بِالصَّوْمِ:

2485- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَر الشَّبَاب مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَن لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء» قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْمَعْشَر هُمْ الطَّائِفَة الَّذِينَ يَشْمَلهُمْ وَصْف، فَالشَّبَاب مَعْشَر، وَالشُّيُوخ مَعْشَر، وَالْأَنْبِيَاء مَعْشَر، وَالنِّسَاء مَعْشَر، فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ. وَالشَّبَاب: جَمْع شَابّ، وَيُجْمَع عَلَى شُبَّان وَشَبَبَة، وَالشَّابّ عِنْد أَصْحَابنَا هُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُجَاوِز ثَلَاثِينَ سَنَة.
وَأَمَّا (الْبَاءَة) فَفيها أَرْبَع لُغَات حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاض: الْفَصِيحَة الْمَشْهُورَة (الْبَاءَة) بِالْمَدِّ وَالْهَاء، وَالثَّانِيَة: (الْبَاة) بِلَا مَدّ. وَالثَّالِثَة (الْبَاء) بِالْمَدِّ بِلَا هَاء. وَالرَّابِعَة (الْبَاهَة) بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدّ، وَأَصْلهَا فِي اللُّغَة: الْجِمَاع، مُشْتَقَّة مِنْ الْمَبَاءَة وَهِيَ الْمَنْزِل، وَمِنْهُ مَبَاءَة الْإِبِل، وَهِيَ مَوَاطِنهَا، ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاح: بَاءَة؛ لِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة بَوَّأَهَا مَنْزِلًا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْبَاءَةِ هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِد أَصَحّهمَا: أَنَّ الْمُرَاد مَعْنَاهَا اللُّغَوِيّ وَهُوَ الْجِمَاع، فَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْجِمَاع لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنه وَهِيَ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ لِيَدْفَع شَهْوَته، وَيَقْطَع شَرّ مَنِيّه، كَمَا يَقْطَعهُ الْوِجَاء، وَعَلَى هَذَا الْقَوْل وَمَعَ الْخِطَاب مَعَ الشُّبَّان الَّذِينَ هُمْ مَظِنَّة شَهْوَة النِّسَاء، وَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا غَالِبًا. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد هُنَا بِالْبَاءَةِ مُؤَن النِّكَاح، سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُلَازِمهَا وَتَقْدِيره: مَنْ اِسْتَطَاعَ مِنْكُمْ مُؤَن النِّكَاح فَلْيَتَزَوَّج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْهَا فَلْيَصُمْ؛ لِيَدْفَع شَهْوَته. وَاَلَّذِي حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا أَنَّهُمْ قَالُوا: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» قَالُوا: وَالْعَاجِز عَنْ الْجِمَاع لَا يَحْتَاج إِلَى الصَّوْم لِدَفْعِ الشَّهْوَة، فَوَجَبَ تَأْوِيل الْبَاءَة عَلَى الْمُؤَن، وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقَوْل الْأَوَّل، وَهُوَ أَنَّ تَقْدِيره: مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْجِمَاع لِعَجْزِهِ عَنْ مُؤَنه، وَهُوَ مُحْتَاج إِلَى الْجِمَاع فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا (الْوِجَاء) فَبِكَسْرِ الْوَاو وَبِالْمَدِّ، وَهُوَ رَضّ الْخَصِيَتَيْنِ، وَالْمُرَاد هُنَا: أَنَّ الصَّوْم يَقْطَع الشَّهْوَة، وَيَقْطَع شَرّ الْمَنِيّ، كَمَا يَفْعَلهُ الْوِجَاء.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الْأَمْر بِالنِّكَاحِ لِمَنْ اِسْتَطَاعَهُ وَتَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسه، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ عِنْدنَا وَعِنْد الْعُلَمَاء كَافَّة أَمْر نَدْب لَا إِيجَاب، فَلَا يَلْزَم التَّزَوُّج وَلَا التَّسَرِّي، سَوَاء خَافَ الْعَنَت أَمْ لَا، هَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة، وَلَا يُعْلَم أَحَد أَوْجَبَهُ إِلَّا دَاوُد وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْل الظَّاهِر، وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَلْزَمهُ إِذَا خَافَ الْعَنَت أَنْ يَتَزَوَّج أَوْ يَتَسَرَّى، قَالُوا: وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ فِي الْعُمْر مَرَّة وَاحِدَة، وَلَمْ يَشْرِط بَعْضهمْ خَوْف الْعَنَت، قَالَ أَهْل الظَّاهِر: إِنَّمَا يَلْزَمهُ التَّزْوِيج فَقَطْ، وَلَا يَلْزَمهُ الْوَطْء، وَتَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْأَمْر فِي هَذَا الْحَدِيث مَعَ غَيْره مِنْ الْأَحَادِيث مَعَ الْقُرْآن، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء} وَغَيْرهَا مِنْ الْآيَات. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْله تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء} إِلَى قَوْله تَعَالَى: {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ} فَخَيَّرَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى بَيْن النِّكَاح وَالتَّسَرِّي، قَالَ الْإِمَام الْمَازِرِيّ: هَذَا حُجَّة لِلْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْن النِّكَاح وَالتَّسَرِّي بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاح وَاجِبًا لَمَا خَيَّرَهُ بَيْنه وَبَيْن التَّسَرِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحّ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ التَّخْيِير بَيْن وَاجِب وَغَيْره، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال حَقِيقَة الْوَاجِب، وَأَنَّ تَارِكه لَا يَكُون آثِمًا.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَمَعْنَاهُ: مَنْ رَغِبَ عَنْهَا إِعْرَاضًا عَنْهَا غَيْر مُعْتَقِد لَهَا عَلَى مَا هِيَ وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا الْأَفْضَل مِنْ النِّكَاح وَتَرْكه، فَقَالَ أَصْحَابنَا: النَّاس فيه أَرْبَعَة أَقْسَام: قِسْم تَتُوق إِلَيْهِ نَفْسه وَيَجِد الْمُؤَن، فَيُسْتَحَبّ لَهُ النِّكَاح، وَقِسْم لَا تَتُوق وَلَا يَجِد الْمُؤَن، فَيُكْرَه لَهُ.
وَقِسْم تَتُوق وَلَا يَجِد الْمُؤَن، فَيُكْرَه لَهُ، وَهَذَا مَأْمُور بِالصَّوْمِ؛ لِدَفْع التَّوَقَان. وَقِسْم يَجِد الْمُؤَن وَلَا تَتُوق فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابنَا: أَنَّ تَرْكَ النِّكَاح لِهَذَا وَالتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ أَفْضَل، وَلَا يُقَال: النِّكَاح مَكْرُوه؛ بَلْ تَرْكه أَفْضَل، وَمَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك: أَنَّ النِّكَاح لَهُ أَفْضَل. وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (إِنَّ عُثْمَان بْن عَفَّان قَالَ لِعَبْدِ اللَّه بْن مَسْعُود: أَلَا نُزَوِّجك جَارِيَة شَابَّة لَعَلَّهَا تُذَكِّرك بَعْض مَا مَضَى مِنْ زَمَانك؟) فيه: اِسْتِحْبَاب عَرْض الصَّاحِب هَذَا عَلَى صَاحِبه الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَة بِهَذِهِ الصِّفَة، وَهُوَ صَالِح لِزَوَاجِهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيله قَرِيبًا. وَفيه: اِسْتِحْبَاب نِكَاح الشَّابَّة؛ لِأَنَّهَا الْمُحَصِّلَة لِمَقَاصِد النِّكَاح، فَإِنَّهَا أَلَذّ اِسْتِمْتَاعًا، وَأَطْيَب نَكْهَة، وَأَرْغَب فِي الِاسْتِمْتَاع الَّذِي هُوَ مَقْصُود النِّكَاح، وَأَحْسَن عِشْرَة، وَأَفْكَه مُحَادَثَة، وَأَجْمَل مَنْظَرًا، وَأَلْيَن مَلْمَسًا، وَأَقْرَب إِلَى أَنْ يُعَوِّدهَا زَوْجهَا الْأَخْلَاق الَّتِي يَرْتَضِيهَا.
وَقَوْله: (تُذَكِّرك بَعْض مَا مَضَى مِنْ زَمَانك) مَعْنَاهُ: تَتَذَكَّر بِهَا بَعْض مَا مَضَى مِنْ نَشَاطك وَقُوَّة شَبَابك؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْعِش الْبَدَن.
قَوْله: (إِنَّ عُثْمَان دَعَا اِبْن مَسْعُود، وَاسْتَخْلَاهُ فَقَالَ لَهُ) هَذَا الْكَلَام دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب الْإِسْرَار بِمِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ مِمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْره بَيْن النَّاس.
وَقَوْله: (أَلَا نُزَوِّجك جَارِيَة بِكْرًا؟) دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب الْبِكْر وَتَفْضِيلهَا عَلَى الثَّيِّب، وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابنَا؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا فِي قَوْله: (جَارِيَة شَابَّة).
2486- قَوْله: (عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد دَخَلْت أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد عَلَى عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ، وَهُوَ الصَّوَاب، قَالَ الْقَاضِي: وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات (أَنَا وَعَمَّايَ عَلْقَمَة وَالْأَسْوَد) وَهُوَ غَلَط ظَاهِر؛ لِأَنَّ الْأَسْوَد أَخُو عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد لَا عَمّه، وَعَلْقَمَة عَمّهمَا جَمِيعًا، وَهُوَ عَلْقَمَة بْن قَيْس.
قَوْله: (فَذَكَرَ حَدِيثًا رُئِيت أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجَلِي) هَكَذَا هُوَ فِي كَثِير مِنْ النُّسَخ، وَفِي بَعْضهَا: (رَأَيْت) وَهُمَا صَحِيحَانِ: الْأَوَّل مِنْ الظَّنّ، وَالثَّانِي مِنْ الْعِلْم.
2487- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» سَبَقَ تَأْوِيله، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ تَرَكَهَا إِعْرَاضًا عَنْهَا غَيْر مُعْتَقِد لَهَا مَا هِيَ عَلَيْهِ، أَمَّا مَنْ تَرَكَ النِّكَاح عَلَى الصِّفَة الَّتِي يُسْتَحَبّ لَهُ تَرْكه كَمَا سَبَقَ، أَوْ تَرَكَ النَّوْم عَلَى الْفِرَاش لِعَجْزِهِ عَنْهُ، أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةِ مَأْذُون فيها، أَوْ نَحْو ذَلِكَ، فَلَا يَتَنَاوَلهُ هَذَا الذَّمّ وَالنَّهْي.
قَوْله: «إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا بَال أَقْوَام قَالُوا كَذَا وَكَذَا» هُوَ مُوَافِق لِلْمَعْرُوفِ مِنْ خُطَبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْل هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا فَخَطَبَ لَهُ ذَكَرَ كَرَاهِيَته، وَلَا يُعَيِّن فَاعِله، وَهَذَا مِنْ عِظَم خُلُقه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ الْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ الشَّخْص وَجَمِيع الْحَاضِرِينَ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ يَبْلُغهُ ذَلِكَ، وَلَا يَحْصُل تَوْبِيخ صَاحِبه فِي الْمَلَأ.
2489- قَوْله: (رَدّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَان بْن مَظْعُون التَّبَتُّل وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) قَالَ الْعُلَمَاء: التَّبَتُّل هُوَ الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَتَرْك النِّكَاح اِنْقِطَاعًا إِلَى عِبَادَة اللَّه، وَأَصْل التَّبَتُّل: الْقَطْع، وَمِنْهُ مَرْيَم الْبَتُول، وَفَاطِمَة الْبَتُول؛ لِانْقِطَاعِهِمَا عَنْ نِسَاء زَمَانهمَا دِينًا وَفَضْلًا وَرَغْبَة فِي الْآخِرَة، وَمِنْهُ: صَدَقَة بَتْلَة، أَيْ: مُنْقَطِعَة عَنْ تَصَرُّف مَالِكهَا.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: التَّبَتُّل: هُوَ تَرْك لَذَّات الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا، وَالِانْقِطَاع إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَتِهِ.
وَقَوْله: (رَدّ عَلَيْهِ التَّبَتُّل) مَعْنَاهُ: نَهَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا عِنْد أَصْحَابنَا مَحْمُول عَلَى مَنْ تَاقَتْ نَفْسه إِلَى النِّكَاح، وَوَجَدَ مُؤَنه كَمَا سَبَقَ إِيضَاحه، وَعَلَى مَنْ أَضَرّ بِهِ التَّبَتُّل بِالْعِبَادَاتِ الْكَثِيرَة الشَّاقَّة. أَمَّا الْإِعْرَاض عَنْ الشَّهَوَات وَاللَّذَّات مِنْ غَيْر إِضْرَار بِنَفْسِهِ وَلَا تَفْوِيت حَقّ لِزَوْجَةٍ وَلَا غَيْرهَا، فَفَضِيلَة لِلْمَنْعِ مِنْهَا، بَلْ مَأْمُور بِهِ.
وَأَمَّا قَوْله: (لَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا) فَمَعْنَاهُ: لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْقِطَاع عَنْ النِّسَاء وَغَيْرهنَّ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا لَاخْتَصَيْنَا؛ لِدَفْعِ شَهْوَة النِّسَاء، لِيُمْكِنَنَا التَّبَتُّل، وَهَذَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ جَوَاز الِاخْتِصَاء بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ظَنّهمْ هَذَا مُوَافِقًا، فَإِنَّ الِاخْتِصَاء فِي الْآدَمِيّ حَرَام صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا يَحْرُم خِصَاء كُلّ حَيَوَان لَا يُؤْكَل، وَأَمَّا الْمَأْكُول فَيَجُوز خِصَاؤُهُ فِي صِغَره، وَيَحْرُم فِي كِبَره. وَاَللَّه أَعْلَم.
2490- سبق شرحه بالباب.