فصل: باب بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْبَذُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب الْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ:

3652- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة» وَالْفَرَع: أَوَّل النِّتَاج كَانَ يُنْتَج لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.
قَالَ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ: الْفَرَع بِفَاءٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ عَيْن مُهْمَلَة وَيُقَال فيه: الْفَرَعَة بِالْهَاءِ. وَالْعَتِيرَة: بِعَيْنٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة مِنْ فَوْق، قَالُوا: وَالْعَتِيرَة: ذَبِيحَة كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي الْعَشْر الْأُوَل مِنْ رَجَب وَيُسَمُّونَهَا: الرَّجَبِيَّة أَيْضًا، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى تَفْسِير الْعَتِيرَة بِهَذَا، وَأَمَّا الْفَرْع فَقَدْ فَسَّرَهُ هُنَا بِأَنَّهُ أَوَّل النِّتَاج كَانُوا يَذْبَحُونَهُ، قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَآخَرُونَ: هُوَ أَوَّل نِتَاج الْبَهِيمَة، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ وَلَا يَمْلِكُونَهُ رَجَاء الْبَرَكَة فِي الْأُمّ وَكَثْرَة نَسْلهَا، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ، وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: هُوَ أَوَّل النِّتَاج كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ، وَهِيَ طَوَاغِيتهمْ، وَكَذَا جَاءَ فِي هَذَا التَّفْسِير فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَسُنَن أَبِي دَاوُدَ، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّل النِّتَاج لِمَنْ بَلَغَتْ إِبِله مِائَة يَذْبَحُونَهُ، وَقَالَ شَمِر: قَالَ أَبُو مَالِك: كَانَ الرَّجُل إِذَا بَلَغَتْ إِبِله مِائَة قَدَّمَ بِكْرًا فَنَحَرَهُ لِصَنَمِهِ، وَيُسَمُّونَهُ الْفَرَع، وَقَدْ صَحَّ الْأَمْر بِالْعَتِيرَةِ وَالْفَرَع فِي هَذَا الْحَدِيث، وَجَاءَتْ بِهِ أَحَادِيث مِنْهَا: حَدِيث نُبَيْشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: نَادَى رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نَعْتِر عَتِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي رَجَب قَالَ: «اِذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْر كَانَ، وَبَرُّوا اللَّه وَأَطْعِمُوا» قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُفْرِع فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّة فَمَا تَأْمُرنَا؟ قَالَ: «فِي كُلّ سَائِمَة فَرَع تَغْذُوهُ مَاشِيَتك حَتَّى إِذَا اِسْتَحْمَلَ ذَبَحْته فَتَصَدَّقْت بِلَحْمِهِ» رَوَاه أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره بِأَسَانِيد صَحِيحَة.
قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: هُوَ حَدِيث صَحِيح، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ أَحَد رُوَاة هَذَا الْحَدِيث: السَّائِمَة مِائَة، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَرَعَةِ مِنْ كُلّ خَمْسِينَ وَاحِدَة». وَفِي الرِّوَايَة: «مِنْ كُلّ خَمْسِينَ شَاة شَاة» قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: حَدِيث عَائِشَة صَحِيح، وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ قَالَ الرَّاوِي: أَرَاهُ عَنْ جَدّه، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفَرَع قَالَ: «الْفَرَع حَقّ، وَأَنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُون بِكْرًا أَوْ اِبْن مَخَاض أَوْ اِبْن لَبُون فَتُعْطِيه أَرْمَلَة أَوْ تَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه خَيْر مِنْ أَنْ تَذْبَحهُ فَيَلْزَق لَحْمه بِوَبَرِهِ وَتَكْفَأ إِنَاءَك وَتُولِهِ نَاقَتك».
قَالَ أَبُو عُبَيْد فِي تَفْسِير هَذَا الْحَدِيث: قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفَرَع حَقّ» وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ حِين يُولَد، وَلَا شِبَع فيه، وَلِهَذَا قَالَ: يَذْبَحهُ فَيَلْزَق لَحْمه بِوَبَرِهِ، وَفيه: أَنَّ ذَهَاب وَلَدهَا يَدْفَع لَبَنهَا، وَلِهَذَا قَالَ: خَيْر مِنْ أَنْ تَكْفَأ يَعْنِي إِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَكَأَنَّك كَفَأْت إِنَاءَك وَأَرَقْته، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى ذَهَاب اللِّين، وَفيه: أَنْ يُفْجِعهَا بِوَلَدِهَا، وَلِهَذَا قَالَ: وَتُولِهِ نَاقَتك، فَأَشَارَ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَكُون اِبْن مَخَاض، وَهُوَ اِبْن سَنَة، ثُمَّ يَذْهَب، وَقَدْ طَابَ لَحْمه، وَاسْتَمْتَعَ بِلَبَنِ أُمّه وَلَا تَشُقّ عَلَيْهَا مُفَارَقَته، لِأَنَّهُ اِسْتَغْنَى عَنْهَا، هَذَا كَلَام أَبِي عُبَيْد. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَارِث بْن عُمَر قَالَ: أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ، أَوْ قَالَ: بِمِنًى، وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ الْعَتِيرَة فَقَالَ: مَنْ شَاءَ عَتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِر، وَمَنْ شَاءَ فَرَّعَ. وَمَنْ شَاءَ لَمْ يُفَرِّع. وَعَنْ أَبِي رَزِين قَالَ: يَا رَسُول اللَّه إِنَّا كُنَّا نَذْبَح فِي الْجَاهِلِيَّة ذَبَائِح فِي رَجَب، فَنَأْكُل مِنْهَا وَنُطْعِم، فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا بَأْس بِذَلِكَ». وَعَنْ أَبِي رَمْلَة عَنْ مُخْنِف بْن سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ، فَسَمِعْته يَقُول: «يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ عَلَى أَهْل كُلّ بَيْت فِي كُلّ عَام أُضْحِيَّة وَعَتِيرَة. هَلْ تَدْرِي مَا الْعَتِيرَة؟ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الرَّجَبِيَّة»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرهمْ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حَسَن، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيث ضَعِيف الْمَخْرَج؛ لِأَنَّ أَبَا رَمْلَة مَجْهُول. هَذَا مُخْتَصَر مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيث فِي الْفَرَع وَالْعَتِيرَة.
قَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: الْفَرَع شَيْء كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطْلُبُونَ بِهِ الْبَرَكَة فِي أَمْوَالهمْ، فَكَانَ أَحَدهمْ يَذْبَح بِكْر نَاقَته أَوْ شَاته، فَلَا يَغْذُوهُ رَجَاء الْبَرَكَة فِيمَا يَأْتِي بَعْده، فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالَ: «فَرِّعُوا إِنْ شِئْتُمْ أَيْ اِذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ» وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة خَوْفًا أَنْ يُكْرَه فِي الْإِسْلَام، فَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَة عَلَيْهِمْ فيه، وَأَمَرَهُمْ اِسْتِحْبَابًا أَنْ يُغْذُوهُ ثُمَّ يُحْمَل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه.
قَالَ الشَّافِعِيّ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفَرَع حَقّ» مَعْنَاهُ: لَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَهُوَ كَلَام عَرَبِيّ خَرَجَ عَلَى جَوَاب السَّائِل.
قَالَ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة» أَيْ لَا فَرَع وَاجِب، وَلَا عَتِيرَة وَاجِبَة، قَالَ: وَالْحَدِيث الْآخَر يَدُلّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الذَّبْح، وَاخْتَارَ لَهُ أَنْ يُعْطِيه أَرْمَلَة أَوْ يَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّه، قَالَ: وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَتِيرَة: «اِذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أَيّ شَهْر كَانَ» أَيْ اِذْبَحُوا إِنْ شِئْتُمْ، وَاجْعَلُوا الذَّبْح لِلَّهِ فِي أَيِّ شَهْر كَانَ لَا أَنَّهَا فِي رَجَب دُون غَيْره مِنْ الشُّهُور، وَالصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ اِسْتِحْبَاب الْفَرَع وَالْعَتِيرَة وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيث: «لَا فَرَع وَلَا عَتِيرَة» بِثَلَاثَةِ أَوْجُه: أَحَدهَا: جَوَاب الشَّافِعِيّ السَّابِق أَنَّ الْمُرَاد نَفْي الْوُجُوب. وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَاد نَفْي مَا كَانُوا يَذْبَحُونَ لِأَصْنَامِهِمْ وَالثَّالِث: أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الِاسْتِحْبَاب أَوْ فِي ثَوَاب إِرَاقَة الدَّم. فَأَمَّا تَفْرِقَة اللَّحْم عَلَى الْمَسَاكِين فَبِرّ وَصَدَقَة، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيّ فِي سُنَن حَرْمَلَة أَنَّهَا إِنْ تَيَسَّرَتْ كُلّ شَهْر كَانَ حَسَنًا. هَذَا تَلْخِيص حُكْمهَا فِي مَذْهَبنَا. وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاض أَنَّ جَمَاهِير الْعُلَمَاء عَلَى نَسْخ الْأَمْر بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب نَهْيِ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ مُرِيدُ التَّضْحِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا:

3653- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْر وَأَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يُضَحِّي فَلَا يَمَسّ مِنْ شَعْره وَبَشَره شَيْئًا»، وَفِي رِوَايَة: «فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلَا يُقَلِّمَنَّ ظُفْرًا» وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَشْر ذِي الْحِجَّة وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَرَبِيعَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ: إِنَّهُ يَحْرُم عَلَيْهِ أَخْذ شَيْء مِنْ شَعْره وَأَظْفَاره حَتَّى يُضَحِّي فِي وَقْت الْأُضْحِيَّة، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه: هُوَ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يُكْرَه، وَقَالَ مَالِك فِي رِوَايَة: لَا يُكْرَه، وَفِي رِوَايَة: يُكْرَه، وَفِي رِوَايَة: يَحْرُم فِي التَّطَوُّع دُون الْوَاجِب. وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ وَالْآخَرُونَ بِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: «كُنْت أَفْتِل قَلَائِد هَدْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُقَلِّدهُ، وَيَبْعَث بِهِ وَلَا يَحْرُم عَلَيْهِ شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه حَتَّى يَنْحَر هَدْيه» رَوَاه الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم.
قَالَ الشَّافِعِيّ: الْبَعْث بِالْهَدْيِ أَكْثَر مِنْ إِرَادَة التَّضْحِيَة، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُم ذَلِكَ وَحَمَلَ أَحَادِيث النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه.
قَالَ أَصْحَابنَا: وَالْمُرَاد بِالنَّهْيِ عَنْ أَخْذ الظُّفْر وَالشَّعْر النَّهْي عَنْ إِزَالَة الظُّفْر بِقَلَمٍ أَوْ كَسْر أَوْ غَيْره، وَالْمَنْع مِنْ إِزَالَة الشَّعْر بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِير أَوْ نَتْف أَوْ إِحْرَاق أَوْ أَخْذه بِنَوْرَةٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَسَوَاء شَعْر الْإِبْط وَالشَّارِب وَالْعَانَة وَالرَّأْس، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ شُعُور بَدَنه، قَالَ إِبْرَاهِيم الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْره مِنْ أَصْحَابنَا: حُكْم أَجْزَاء الْبَدَن كُلّهَا حُكْم الشَّعْر وَالظُّفْر، وَدَلِيله الرِّوَايَة السَّابِقَة: «فَلَا يَمَسّ مِنْ شَعْره وَبَشَره شَيْئًا» قَالَ أَصْحَابنَا: وَالْحِكْمَة فِي النَّهْي أَنْ يَبْقَى كَامِل الْأَجْزَاء لِيُعْتِق مِنْ النَّار، وَقِيلَ: التَّشَبُّه بِالْمُحْرِمِ، قَالَ أَصْحَابنَا: هَذَا غَلَط؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَزِل النِّسَاء وَلَا يَتْرُك الطِّيب وَاللِّبَاس وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَتْرُكهُ الْمُحْرِم.
3655- قَوْله: (عَنْ عُمَر بْن مُسْلِم عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب) كَذَا رَوَاهُ مُسْلِم (عُمَر) بِضَمِّ الْعَيْن فِي كُلّ هَذِهِ الطُّرُق إِلَّا طَرِيق حَسَن بْن عَلِيّ الْحَلْوَانِيّ فَفيها (عَمْرو) بِفَتْحِ الْعَيْن، وَإِلَّا طَرِيق أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَكَم فَفيها (عَمْرًا أَوْ عُمَر) وَقَالَ الْعُلَمَاء: الْوَجْهَانِ مَنْقُولَانِ فِي اِسْمه.
3656- قَوْله: (عَمَّار بْن أُكَيْمَة اللَّيْثِيّ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْكَاف وَإِسْكَان الْيَاء وَآخِره تَاء تُكْتَب هَاء.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْح يَذْبَحهُ» هُوَ بِكَسْرِ الذَّال أَيْ حَيَوَان يُرِيد ذَبْحه، فَهُوَ فِعْل بِمَعْنَى مَفْعُول كَحِمْلٍ بِمَعْنَى مَحْمُول، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ}.
قَوْله: (كُنَّا فِي الْحَمَّام قُبَيْل الْأَضْحَى فَأَطْلَى فيه نَاس فَقَالَ بَعْض أَهْل الْحَمَّام: إِنَّ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَكْرَه هَذَا، وَيَنْهَى عَنْهُ، فَلَقِيت سَعِيد بْن الْمُسَيِّب فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: يَا اِبْن أَخِي هَذَا حَدِيث قَدْ نُسِيَ وَتُرِكَ حَدَّثَتْنِي أُمّ سَلَمَة... وَذَكَرَ حَدِيثهَا السَّابِق)، أَمَّا قَوْله: (فَأَطْلَى فيه أُنَاس) فَمَعْنَاهُ: أَزَالُوا شَعْر الْعَانَة بِالنَّوْرَةِ، وَالْحَمَّام مُذَكَّر مُشْتَقّ مِنْ الْحَمِيم، وَهُوَ الْمَاء الْحَارّ، وَقَوْله: (إِنَّ سَعِيدًا يَكْرَه هَذَا) يَعْنِي يَكْرَه إِزَالَة الشَّعْر فِي عَشْر ذِي الْحِجَّة لِمَنْ يُرِيد التَّضْحِيَة لَا أَنَّهُ يَكْرَه مُجَرَّد الْإِطْلَاء وَدَلِيل مَا ذَكَرْنَاهُ اِحْتِجَاجه بِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة، وَلَيْسَ فيه ذِكْر الْإِطْلَاء إِنَّمَا فيه النَّهْي عَنْ إِزَالَة الشَّعْر، وَقَدْ نَقَلَ اِبْن عَبْد الْبَرّ عَنْ اِبْن الْمُسَيِّب جَوَاز الْإِطْلَاء فِي الْعَشْر بِالنَّوْرَةِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ إِنْسَانًا لَا يُرِيد التَّضْحِيَة.
قَوْله: (عَنْ عُمَر بْن مُسْلِم الْجُنْدَعِيّ) وَفِي الرِّوَايَة السَّابِقَة: قَالَ اللَّيْثِيّ: الْجُنْدَعِيّ بِضَمِّ الْجِيم وَإِسْكَان النُّون وَبِفَتْحِ الدَّال وَضَمّهَا، وَجُنْدَع بَطْن مِنْ بَنِي لَيْث وَسَبَقَ بَيَانه أَوَّل الْكِتَاب. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَعْنِ فَاعِلِهِ:

3657- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِده، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّه، وَلَعَنَ اللَّه مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّه مَنْ غَيَّرَ مَنَار الْأَرْض»، وَفِي الرِّوَايَة: «لَعَنَ اللَّه مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» أَمَّا لَعْن الْوَالِد وَالْوَالِدَة فَمِنْ الْكَبَائِر، وَسَبَقَ ذَلِكَ مَشْرُوحًا وَاضِحًا فِي كِتَاب الْإِيمَان، وَالْمُرَاد بِمَنَارِ الْأَرْض- بِفَتْحِ الْمِيم- عَلَامَات حُدُودهَا، وَأَمَّا الْمُحْدِث- بِكَسْرِ الدَّال- فَهُوَ مَنْ يَأْتِي بِفَسَادٍ فِي الْأَرْض، وَسَبَقَ شَرْحه فِي آخِر كِتَاب الْحَجّ.
وَأَمَّا الذَّبْح لِغَيْرِ اللَّه فَالْمُرَاد بِهِ أَنْ يَذْبَح بِاسْمِ غَيْر اللَّه تَعَالَى كَمَنْ ذَبَحَ لِلصَّنَمِ أَوْ الصَّلِيب أَوْ لِمُوسَى أَوْ لِعِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا أَوْ لِلْكَعْبَةِ وَنَحْو ذَلِكَ، فَكُلّ هَذَا حَرَام، وَلَا تَحِلّ هَذِهِ الذَّبِيحَة، سَوَاء كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيّ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا، فَإِنْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَعْظِيم الْمَذْبُوح لَهُ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَالْعِبَادَة لَهُ كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا، فَإِنْ كَانَ الذَّابِح مُسْلِمًا قَبْل ذَلِكَ صَارَ بِالذَّبْحِ مُرْتَدًّا، وَذَكَرَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا: أَنَّ مَا يُذْبَح عِنْد اِسْتِقْبَال السُّلْطَان تَقَرُّبًا إِلَيْهِ أَفْتَى أَهْل بُخَارَة بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى، قَالَ الرَّافِعِيّ: هَذَا إِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ اِسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ فَهُوَ كَذَبْحِ الْعَقِيقَة لِوِلَادَةِ الْمَوْلُود، وَمِثْل هَذَا لَا يُوجِب التَّحْرِيم، وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: (إِنَّ عَلِيًّا غَضِبَ حِين قَالَ لَهُ رَجُل: مَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسِرّ إِلَيْك؟ إِلَى آخِره) فيه إِبْطَال مَا تَزْعُمهُ الرَّافِضَة وَالشِّيعَة وَالْإِمَامِيَّة مِنْ الْوَصِيَّة إِلَى عَلِيّ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ اِخْتِرَاعَاتهمْ. وَفيه جَوَاز كِتَابَة الْعِلْم، وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ الْآن، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْر الْمَسْأَلَة فِي مَوَاضِع.
3659- قَوْله: (مَا خَصَّنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمّ بِهِ النَّاس كَافَّة إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَاب سَيْفِي) هَكَذَا تُسْتَعْمَل (كَافَّة) حَالًا، وَأَمَّا مَا يَقَع فِي كَثِير مِنْ كُتُب الْمُصَنِّفِينَ مِنْ اِسْتِعْمَالهَا مُضَافَة وَبِالتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِمْ: (هَذَا قَوْل كَافَّة الْعُلَمَاء) (وَمَذْهَب الْكَافَّة) فَهُوَ خَطَأ مَعْدُود فِي لَحْن الْعَوَامّ وَتَحْرِيفهمْ. وَقَوْله: (قِرَاب سَيْفِي) هُوَ بِكَسْرِ الْقَاف، وَهُوَ وِعَاء مِنْ جِلْد أَلْطَف مِنْ الْجِرَاب، يَدْخُل فيه السَّيْف بِغِمْدِهِ وَمَا خَفَّ مِنْ الْآلَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: (أَصَبْت شَارِفًا) هِيَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَبِالْفَاءِ وَهِيَ النَّاقَة الْمُسِنَّة، وَجَمْعهَا: شُرُف بِضَمِّ الرَّاء وَإِسْكَانهَا.
قَوْله: (أُرِيدَ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهَا إِذْخِرًا لِأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاع، فَأَسْتَعِين بِهِ عَلَى وَلِيمَة فَاطِمَة) أَمَّا (قَيْنُقَاع) فَبِضَمِّ النُّون وَكَسْرهَا وَفَتْحهَا، وَهُمْ طَائِفَة مِنْ يَهُود الْمَدِينَة، فَيَجُوز صَرْفه عَلَى إِرَادَة الْحَيّ، وَتَرْك صَرْفه عَلَى إِرَادَة الْقَبِيلَة أَوْ الطَّائِفَة، وَفيه اِتِّخَاذ الْوَلِيمَة لِلْعُرْسِ، سَوَاء فِي ذَلِكَ مَنْ لَهُ مَال كَثِير، وَمَنْ دُونه، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب النِّكَاح، وَفيه: جَوَاز الِاسْتِعَانَة فِي الْأَعْمَال وَالِاكْتِسَاب بِالْيَهُودِيِّ، وَفيه: جَوَاز الِاحْتِشَاش لِلتَّكَسُّبِ وَبَيْعه، وَأَنَّهُ لَا يُنْقِص الْمُرُوءَة، وَفيه: جَوَاز بَيْع الْوَقُود لِلصَّوَّاغِينَ وَمُعَامَلَتهمْ.
قَوْله: (مَعَهُ قَيْنَة تُغَنِّيه) الْقَيْنَة بِفَتْحِ الْقَاف الْجَارِيَة الْمُغَنِّيَة.
قَوْله: (أَلَا يَا حَمْز لِلشُّرُف النِّوَاء) الشُّرُف بِضَمِّ الشِّين وَالرَّاء وَتَسْكِين الرَّاء أَيْضًا كَمَا سَبَقَ جَمْع شَارِف، وَالنِّوَاء بِكَسْرِ النُّون وَتَخْفِيف الْوَاو وَبِالْمَدِّ أَيْ السِّمَان، جَمْع نَاوِيَة وَبِالتَّخْفِيفِ، وَهِيَ السَّمِينَة، وَقَدْ نَوَتْ النَّاقَة تَنْوِي، كَرَمَتْ تَرْمِي، يُقَال لَهَا ذَلِكَ إِذَا سَمِنَتْ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي النِّوَاء أَنَّهَا بِكَسْرِ النُّون، وَبِالْمَدِّ هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَات فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا، وَيَقَع فِي بَعْض النُّسَخ النَّوَى بِالْيَاءِ، وَهُوَ تَحْرِيف، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: رَوَاهُ اِبْن جَرِير: (ذَا الشَّرَف النَّوَى) بِفَتْحِ الشِّين وَالرَّاء وَبِفَتْحِ النُّون مَقْصُورًا قَالَ: وَفَسَّرَهُ بِالْبُعْدِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَر الْمُحَقِّقِينَ، قَالَ: وَهُوَ غَلَط فِي الرِّوَايَة وَالتَّفْسِير، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم تَمَام هَذَا الشِّعْر. أَلَا يَا حَمْز لِلشُّرُف النِّوَاء وَهُنَّ مُعَقَّلَات بِالْفَنَاءِ ضَعْ السِّكِّين فِي اللَّبَّات مِنْهَا وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَة بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبهَا لِشُرْبٍ قَدِيدًا مِنْ طَبِيخ أَوْ شِوَاء قَوْله: (فَجَبَّ أَسْنِمَتهمَا) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (اِجْتَبَّ)، وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيّ: (أَجَبَّ) وَهَذِهِ غَرِيبَة فِي اللُّغَة، وَالْمَعْنَى: قَطَعَ.
قَوْله: (وَبَقَر خَوَاصِرهمَا) أَيْ شَقَّهَا، وَهَذَا الْفِعْل الَّذِي جَرَى مِنْ حَمْزَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ شُرْبه الْخَمْر وَقَطْع أَسْنِمَة النَّاقَتَيْنِ، وَبَقْر خَوَاصِرهمَا وَأَكْل لَحْمهمَا، وَغَيْر ذَلِكَ لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي شَيْء مِنْهُ. أَمَّا أَصْل الشُّرْب وَالسُّكْر فَكَانَ مُبَاحًا؛ لِأَنَّهُ قَبْل تَحْرِيم الْخَمْر، وَأَمَّا مَا قَدْ يَقُولهُ بَعْض مَنْ لَا تَحْصِيل لَهُ إِنَّ السُّكْر لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِل لَا أَصْل لَهُ، وَلَا يُعْرَف أَصْلًا، وَأَمَّا بَاقِي الْأُمُور فَجَرَتْ مِنْهُ فِي حَال عَدَم التَّكْلِيف فَلَا إِثْم عَلَيْهِ فيها كَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً لِحَاجَةٍ فَزَالَ بِهِ عَقْله أَوْ شَرِبَ شَيْئًا يَظُنّهُ خَلًّا فَكَانَ خَمْرًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْب الْخَمْر فَشَرِبَهَا وَسَكِرَ فَهُوَ فِي حَال السُّكْر غَيْر مُكَلَّف، وَلَا إِثْم عَلَيْهِ فِيمَا يَقَع مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال بِلَا خِلَاف، وَأَمَّا غَرَامَة مَا أَتْلَفَهُ فَيَجِب فِي مَاله، فَلَعَلَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْد مَعْرِفَته بِقِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ، أَوْ أَنَّهُ أَدَّاهُ إِلَيْهِ حَمْزَة بَعْد ذَلِكَ أَوْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَّاهُ عَنْهُ لِحُرْمَتِهِ عِنْده، وَكَمَال حَقّه وَمَحَبَّته إِيَّاهُ وَقَرَابَته، وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَاب عُمَر بْن شَيْبَة مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَرَّمَ حَمْزَة النَّاقَتَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ السَّكْرَان مِنْ الْأَمْوَال يَلْزَمهُ ضَمَانه كَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ الضَّمَان لَا يُشْتَرَط فيه التَّكْلِيف، وَلِهَذَا أَوْجَبَ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه فِي قَتْل الْخَطَأ الدِّيَة وَالْكَفَّارَة، وَأَمَّا هَذَا السَّنَام الْمَقْطُوع فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ نَحْرهمَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيّ فَهُوَ مَيِّت، وَفيه حَدِيث مَشْهُور فِي كُتُب السُّنَن، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ ذَكَّاهُمَا، وَيَدُلّ عَلَيْهِ الشِّعْر الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، فَإِنْ كَانَ ذَكَّاهُمَا فَلَحْمهمَا حَلَال بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَة وَإِسْحَاق وَدَاوُد أَنَّهُ لَا يَحِلّ مَا ذَبَحَهُ سَارِق أَوْ غَاضِب أَوْ مُتَعَمِّد، وَالصَّوَاب الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور: حِلّه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَّاهُمَا وَثَبَتَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُمَا فَهُوَ أَكْل فِي حَالَة السُّكْر الْمُبَاح وَلَا إِثْم فيه كَمَا سَبَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: «فَرَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَهْقِر»، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: «فَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى» قَالَ جُمْهُور أَهْل اللُّغَة وَغَيْرهمْ: الْقَهْقَرَى: الرُّجُوع إِلَى وَرَاء وَوَجْهه إِلَيْك إِذَا ذَهَبَ عَنْك، وَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَهُوَ الْإِحْضَار فِي الرُّجُوع، أَيْ الْإِسْرَاع؛ فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ: خَرَجَ مُسْرِعًا، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور وَالْمَعْرُوف، وَإِنَّمَا رَجَعَ الْقَهْقَرَى خَوْفًا مِنْ أَنْ يَبْدُو مِنْ حَمْزَة رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ أَمْر يَكْرَههُ لَوْ وَلَّاهُ ظَهْره لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا بِالسُّكْرِ.

.كتاب الأشربة:

.باب تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَبَيَانِ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَمِنَ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُسْكِرُ:

3661- قَوْله: «أَرَدْت أَنْ أَبِيعهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم، وَفِي بَعْض الْأَبْوَاب مِنْ الْبُخَارِيّ (مِنْ الصَّوَّاغِينَ) فَفيه دَلِيل لِصِحَّةِ اِسْتِعْمَال الْفُقَهَاء فِي قَوْلهمْ: بِعْت مِنْهُ ثَوْبًا، وَزَوَّجْت مِنْهُ، وَوَهَبْت مِنْهُ جَارِيَة، وَشِبْه ذَلِكَ، وَالْفَصِيح حَذْف (مِنْ) فَإِنَّ الْفِعْل مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّ اِسْتِعْمَال (مِنْ) فِي هَذَا صَحِيح، وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي كَلَام الْعَرَب، وَقَدْ جَمَعْت مِنْ ذَلِكَ نَظَائِر كَثِيرَة فِي تَهْذِيب اللُّغَات فِي حَرْف الْمِيم مَعَ النُّون، وَتَكُون: «مِنْ» زَائِدَة عَلَى مَذْهَب الْأَخْفَش وَمَنْ وَافَقَهُ فِي زِيَادَتهَا فِي الْوَاجِب.
قَوْله: «وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ» هَكَذَا فِي مُعْظَم النُّسَخ: «مُنَاخَانِ» وَفِي بَعْضهَا: «مُنَاخَتَانِ» بِزِيَادَةِ التَّاء، وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفَ فيه نُسَخ الْبُخَارِيّ، وَهُمَا صَحِيحَانِ، فَأَنَّثَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَذَكَّرَ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظ. قَوْله: «فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَع لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنْ الْأَقْتَاب وَالْغَرَائِر وَالْحِبَال، وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْب حُجْرَة رَجُل مِنْ الْأَنْصَار وَجَمَعْت حِين جَمَعْت مَا جَمَعْت، فَإِذَا شَارِفَيَّ قَدْ اُجْتُبَّتْ أَسْنِمَتهمَا» هَكَذَا فِي بَعْض نُسَخ بِلَادنَا، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَكْثَر نُسَخهمْ، وَسَقَطَتْ لَفْظَة: «وَجَمَعْت» الَّتِي عَقِب.
قَوْله: «رَجُل مِنْ الْأَنْصَار» مِنْ أَكْثَر نُسَخ بِلَادنَا، وَوَقَعَ فِي بَعْض النُّسَخ: «حَتَّى جَمَعْت» مَكَان: «حِين جَمَعْت».
قَوْله: «فَإِذَا شَارِفَيَّ قَدْ اُجْتُبَّتْ أَسْنِمَتهمَا» هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ: «فَإِذَا شَارِفَيَّ»، وَفِي بَعْضهَا: «فَإِذَا شَارِفَايَ» وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، أَوْ يَقُول: فَإِذَا شَارِفَتَايَ، إِلَّا أَنْ يَقْرَأ: فَإِذَا شَارِفِي- بِتَخْفِيفِ الْيَاء- عَلَى لَفْظ الْإِفْرَاد، وَيَكُون الْمُرَاد جِنْس الشَّارِف، فَيَدْخُل فيه الشَّارِفَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: «فَلَمْ أَمْلِك عَيْنَيَّ حِين رَأَيْت ذَلِكَ الْمَنْظَر مِنْهُمَا» هَذَا الْبُكَاء وَالْحُزْن الَّذِي أَصَابَهُ سَبَبه مَا خَافَهُ مِنْ تَقْصِيره فِي حَقّ فَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَجِهَازهَا وَالِاهْتِمَام بِأَمْرِهَا تَقْصِيره أَيْضًا بِذَلِكَ فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ الشَّارِفَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُمَا مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا، بَلْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: «هُوَ فِي هَذَا الْبَيْت فِي شَرْب مِنْ الْأَنْصَار» وَالشَّرْب- بِفَتْحِ الشِّين وَإِسْكَان الرَّاء- وَهُمْ الْجَمَاعَة الشَّارِبُونَ.
قَوْله: «فَدَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ» هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ كُلّهَا: «فَارْتَدَاهُ» وَفيه: جَوَاز لِبَاس الرِّدَاء، وَتَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيّ بَابًا، وَفيه أَنَّ الْكَبِير إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِله تَجَمَّلَ بِثِيَابِهِ، وَلَا يَقْتَصِر عَلَى مَا يَكُون عَلَيْهِ فِي خَلْوَته فِي بَيْته، وَهَذَا مِنْ الْمُرُوءَات وَالْآدَاب الْمَحْبُوبَة.
قَوْله: «فَطَفِقَ يَلُوم حَمْزَة» أَيْ جَعَلَ يَلُومهُ يُقَال بِكَسْرِ الْفَاء وَفَتْحهَا، حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْره، وَالْمَشْهُور الْكَسْر وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاق}.
قَوْله: «إِنَّهُ ثَمِلٌ» بِفَتْحِ الْمِيم الْمُثَلَّثَة وَكَسْر الْمِيم أَيْ سَكْرَان.
3662- قَوْله: «وَمَا شَرَابهمْ إِلَّا الْفَضِيخ الْبُسْر وَالتَّمْر» قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الْفَضِيخ أَنْ يَفْضَخ الْبُسْر وَيَصُبّ عَلَيْهِ الْمَاء وَيَتْرُكهُ حَتَّى يَغْلِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْد هُوَ مَا فُضِخَ مِنْ الْبُسْر مِنْ غَيْر أَنْ تَمَسّهُ نَار، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ تَمْر فَهُوَ خَلِيط. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم تَصْرِيح بِتَحْرِيمِ جَمِيع الْأَنْبِذَة الْمُسْكِرَة، وَأَنَّهَا كُلّهَا تُسَمَّى خَمْرًا، وَسَوَاء فِي ذَلِكَ الْفَضِيخ وَنَبِيذ التَّمْر وَالرُّطَب وَالْبُسْر وَالزَّبِيب وَالشَّعِير وَالذُّرَة وَالْعَسَل وَغَيْرهَا، وَكُلّهَا مُحَرَّمَة، وَتُسَمَّى خَمْرًا، هَذَا مَذْهَبنَا وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَالْجَمَاهِير مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف، وَقَالَ قَوْم مِنْ أَهْل الْبَصْرَة: إِنَّمَا يَحْرُم عَصِير الْعِنَب، وَنَقِيع الزَّبِيب النِّيء، فَأَمَّا الْمَطْبُوخ مِنْهُمَا، وَالنِّيء وَالْمَطْبُوخ مِمَّا سِوَاهُمَا فَحَلَال مَا لَمْ يُشْرَب وَيُسْكِر، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: إِنَّمَا يَحْرُم عَصِير ثَمَرَات النَّخْل وَالْعِنَب، قَالَ: فَسُلَافَة الْعِنَب يَحْرُم قَلِيلهَا وَكَثِيرهَا إِلَّا أَنْ يُطْبَخ حَتَّى يَنْقُص ثُلُثَاهَا، وَأَمَّا نَقِيع التَّمْر وَالزَّبِيب فَقَالَ: تَحِلّ مَطْبُوخهمَا وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّار شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْر اِعْتِبَار لِحَدٍّ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي سُلَافَة الْعِنَب، قَالَ: وَالنِّيء مِنْهُ حَرَام، قَالَ: وَلَكِنَّهُ لَا يُحَدُّ شَارِبه، هَذَا كُلّه مَا لَمْ يُشْرَب وَيُسْكِر، فَإِنْ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّة، أَمَّا الْقُرْآن فَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِلَّة تَحْرِيم الْخَمْر كَوْنهَا تَصُدّ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة، وَهَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة فِي جَمِيع الْمُسْكِرَات، فَوَجَبَ طَرْد الْحُكْم فِي الْجَمِيع، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَحْصُل هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِسْكَار، وَذَلِكَ مُجْمَع عَلَى تَحْرِيمه، قُلْنَا: قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيم عَصِير الْعِنَب وَإِنْ لَمْ يُسْكِر، وَقَدْ عَلَّلَ اللَّه سُبْحَانه تَحْرِيمه كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا كَانَ مَا سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ وَجَبَ طَرْد الْحُكْم فِي الْجَمِيع، وَيَكُون التَّحْرِيم لِلْجِنْسِ الْمُسْكِر، وَعُلِّلَ بِمَا يَحْصُل مِنْ الْجِنْس فِي الْعَادَة، قَالَ الْمَازِنِيّ: هَذَا الِاسْتِدْلَال آكَد مِنْ كُلّ مَا يُسْتَدَلّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، قَالَ: وَلَنَا فِي الِاسْتِدْلَال طَرِيق آخَر، وَهُوَ أَنْ يَقُول: إِذَا شَرِبَ سُلَافَة الْعِنَب عِنْد اِعْتِصَارهَا وَهِيَ حُلْوَة لَمْ تُسْكِر فَهِيَ حَلَال بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ اِشْتَدَّتْ وَأَسْكَرَتْ حَرُمَتْ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ تَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْر تَخْلِيل آدَمِيّ حَلَّتْ، فَنَظَرْنَا إِلَى مُسْتَبْدَل هَذِهِ الْأَحْكَام وَتَجَدُّدهَا عِنْد تَجَدُّد الصِّفَات وَتَبَدُّلهَا، فَأَشْعَرَنَا ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ هَذِهِ الْأَحْكَام بِهَذِهِ الصِّفَة، وَقَامَ مَقَام ذَلِكَ مِنْ التَّصْرِيح بِذَلِكَ بِالنُّطْقِ، فَوَجَبَ جَعْل الْجَمِيع سَوَاء فِي الْحُكْم، وَأَنَّ الْإِسْكَار هُوَ عِلَّة التَّحْرِيم، هَذِهِ إِحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَال لِمَذْهَبِ الْجُمْهُور. وَالثَّانِيَة: الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْكَثِيرَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلّ مُسْكِر حَرَام» وَقَوْله: «نَهَى عَنْ كُلّ مُسْكِر» وَحَدِيث: «كُلّ مُسْكِر خَمْر» وَحَدِيث اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِم هُنَا فِي آخِر كِتَاب الْأَشْرِبَة: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلّ مُسْكِر خَمْر وَكُلّ مُسْكِر حَرَام»، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «كُلّ مُسْكِر خَمْر وَكُلّ خَمْر حَرَام» وَحَدِيث النَّهْي عَنْ كُلّ مُسْكِر أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاة. وَاللَّهُ أَعْلَم.
قَوْله: «فَجَرَتْ فِي سِكَك الْمَدِينَة» أَيْ طَرَفهَا. وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهَا لَا تَطْهُر بِالتَّخْلِيلِ، وَهُوَ مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَة، وَفيه: أَنَّهُ لَا يَجُوز إِمْسَاكهَا، وَقَدْ اِتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور.
3663- قَوْله فِي حَدِيث أَنَس: (إِنَّهُمْ أَرَاقُوهَا بِخَبَرِ الرَّجُل الْوَاحِد) فيه الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد، وَأَنَّ هَذَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدهمْ.
3664- قَوْله: «إِنِّي لَقَائِم أَسْقِيهِمْ وَأَنَا أَصْغَرهمْ» فيه: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِصَغِيرِ السِّنّ خِدْمَة الْكِبَار، هَذَا إِذَا تَسَاوَوْا فِي الْفَضْل أَوْ تَقَارَبُوا.
3667- قَوْله: «فَقُمْت إِلَى مِهْرَاس لَنَا فَضَرَبْتهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ» الْمِهْرَاس: بِكَسْرِ الْمِيم وَهُوَ حَجَر مَنْقُور، وَهَذَا الْكَسْر مَحْمُول عَلَى أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِب كَسْرهَا وَإِتْلَافهَا كَمَا يَجِب إِتْلَاف الْخَمْر، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْس الْأَمْر هَذَا وَاجِبًا، فَلَمَّا ظَنُّوهُ كَسَرُوهَا، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَذَرَهُمْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتهمْ الْحُكْم، وَهُوَ غَسْلهَا مِنْ غَيْر كَسْر، وَهَكَذَا الْحُكْم الْيَوْم فِي أَوَانِي الْخَمْر وَجَمِيع ظُرُوفه، سَوَاء الْفَخَّار وَالزُّجَاج وَالنُّحَاس وَالْحَدِيد وَالْخَشَب وَالْجُلُود فَكُلّهَا تَطْهُر بِالْغَسْلِ، وَلَا يَجُوز كَسْرهَا.

.باب تَحْرِيمِ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ:

3669- قَوْله: «إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْخَمْر تُتَّخَذ خَلًّا فَقَالَ: لَا» هَذَا دَلِيل الشَّافِعِيّ وَالْجُمْهُور أَنَّهُ لَا يَجُوز تَخْلِيل الْخَمْر، وَلَا تَطْهُر بِالتَّخْلِيلِ، هَذَا إِذَا خَلَّلَهَا بِخُبْزٍ أَوْ بَصَل أَوْ خَمِيرَة أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا يُلْقَى فيها بَاقِيَة عَلَى نَجَاسَتهَا، وَيُنَجِّس مَا أُلْقِيَ فيها وَلَا يَطْهُر هَذَا الْخَلّ بَعْده أَبَدًا لَا بِغَسْلٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، أَمَّا إِذَا نُقِلَتْ مِنْ الشَّمْس إِلَى الظِّلّ، أَوْ مِنْ الظِّلّ إِلَى الشَّمْس فَفِي طَهَارَتهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَصَحّهمَا: تَطْهُر، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَطْهُر إِذَا خُلِّلَتْ بِإِلْقَاءِ شَيْء فيها هُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَالْجُمْهُور، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْث وَأَبُو حَنِيفَة: تَطْهُر، وَعَنْ مَالِك ثَلَاث رِوَايَات: أَصَحّهَا عَنْهُ: أَنَّ التَّخْلِيل حَرَام فَلَوْ خَلَّلَهَا عَصَى وَطَهُرَتْ، وَالثَّانِيَة: حَرَام وَلَا تَطْهُر، وَالثَّالِثَة: حَلَال وَتَطْهُر. وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا اِنْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا طَهُرَتْ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ سَحْنُون الْمَالِكِيّ أَنَّهَا لَا تَطْهُر، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ مَحْجُوج بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْله. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب تَحْرِيمِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ:

3670- قَوْله: «إِنَّ طَارِق بْن سُوَيْدٍ سَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْر فَنَهَى أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعهَا فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاء» هَذَا دَلِيل لِتَحْرِيمِ اِتِّخَاذ الْخَمْر وَتَخْلِيلهَا، وَفيه التَّصْرِيح بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلهَا بِلَا سَبَب، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ يَحْرُم التَّدَاوِي بِهَا، وَكَذَا يَحْرُم شُرْبهَا لِلْعَطَشِ، وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِد مَا يُسِيغهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا فَيَلْزَمهُ الْإِسَاغَة بِهَا؛ لِأَنَّ حُصُول الشِّفَاء بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوع بِهِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي. وَاللَّهُ أَعْلَم.

.باب بَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُنْبَذُ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ يُسَمَّى خَمْرًا:

3671- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَة وَالْعِنَبَة»، وَفِي رِوَايَة: «الْكَرْمَة وَالنَّخْلَة» وَفِي رِوَايَة: «الْكَرْم وَالنَّخْل» هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَنْبِذَة الْمُتَّخَذَة مِنْ التَّمْر وَالزَّهْو وَالزَّبِيب وَغَيْرهَا تُسَمَّى خَمْرًا، وَهِيَ حَرَام إِذَا كَانَتْ مُسْكِرَة، وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ فيه نَفْي الْخَمْرِيَّة عَنْ نَبِيذ الذُّرَة وَالْعَسَل وَالشَّعِير وَغَيْر ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظ أَحَادِيث صَحِيحَة بِأَنَّهَا كُلّهَا خَمْر وَحَرَام. وَوَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيث تَسْمِيَة الْعِنَب كَرْمًا، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيح النَّهْي عَنْهُ، فَيَحْتَمِل أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَال كَانَ قَبْل النَّهْي، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ اِسْتَعْمَلَهُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَأَنَّ النَّهْي عَنْهُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، وَيَحْتَمِل أَنَّهُمْ خُوطِبُوا بِهِ لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوف فِي لِسَانهمْ الْغَالِب فِي اِسْتِعْمَالهمْ.

.باب كَرَاهَةِ انْتِبَاذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَخْلُوطَيْنِ:

3674- قَوْله: «أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُخْلَط التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْبُسْر وَالتَّمْرَة»، وَفِي رِوَايَة: «نَهَى أَنْ يُنْبَذ التَّمْر وَالزَّبِيب جَمِيعًا وَنَهَى أَنْ يُنْبَذ الرُّطَب وَالْبُسْر جَمِيعًا»، وَفِي رِوَايَة: «لَا تَجْمَعُوا بَيْن الرُّطَب وَالْبُسْر وَبَيْن الزَّبِيب وَالتَّمْر بِنَبْذٍ»، وَفِي رِوَايَة: «مَنْ شَرِبَ النَّبِيذ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا»، وَفِي رِوَايَة: «لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْو وَالرُّطَب جَمِيعًا». هَذِهِ الْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَنْ اِنْتِبَاذ الْخَلِيطَيْنِ وَشُرْبهمَا، وَهُمَا تَمْر وَزَبِيب، أَوْ تَمْر وَرُطَب، أَوْ تَمْر وَبُسْر، أَوْ رُطَب وَبُسْر، أَوْ زَهْو وَوَاحِد مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَات، وَنَحْو ذَلِكَ، قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء: سَبَب الْكَرَاهَة فيه أَنَّ الْإِسْكَار يُسْرِع إِلَيْهِ بِسَبَبِ الْخَلْط قَبْل أَنْ يَتَغَيَّر طَعْمه، فَيَظُنّ الشَّارِب أَنَّهُ لَيْسَ مُسْكِرًا، وَيَكُون مُسْكِرًا، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّ هَذَا النَّهْي لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيه، وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ مَا لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاهِير الْعُلَمَاء، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: هُوَ حَرَام، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة عَنْهُ: لَا كَرَاهَة فيه، وَلَا بَأْس بِهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَّ مُفْرَدًا حَلَّ مَخْلُوطًا، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور، وَقَالُوا: مُنَابَذَة لِصَاحِبِ الشَّرْع، فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة فِي النَّهْي عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَانَ مَكْرُوهًا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَاب مَالِك فِي أَنَّ النَّهْي هَلْ يَخْتَصّ بِالشُّرْبِ أَمْ يَعُمّهُ وَغَيْره؟ وَالْأَصَحّ التَّعْمِيم، وَأَمَّا خَلْطهمَا فِي الِانْتِبَاذ بَلْ فِي مَعْجُون وَغَيْره فَلَا بَأْس بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم.
3681- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْو» هُوَ بِفَتْحِ الزَّاي وَضَمّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ: أَهْل الْحِجَاز يَضُمُّونَ، وَالزَّهْو: هُوَ الْبُسْر الْمُلَوَّن الَّذِي بَدَا فيه حُمْرَة أَوْ صُفْرَة، وَطَابَ، وَزَهَتْ النَّخْل تَزْهُو زَهْوًا وَأَزْهَتْ تُزْهِي، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيّ أَزْهَتْ بِالْأَلِفِ، وَأَنْكَرَ غَيْره زَهَتْ بِلَا أَلِف، وَأَثْبَتهمَا الْجُمْهُور، وَرَجَّحُوا (زَهَتْ) بِحَذْفِ الْأَلِف، وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ: زَهَتْ ظَهَرَتْ، وَأَزْهَتْ اِحْمَرَّتْ أَوْ اِصْفَرَّتْ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافه.
3684- قَوْله: (وَهُوَ أَبُو كَثِير الْغُبَرِيّ) بِضَمِّ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفَتْح الْمُوَحَّدَة.
3685- قَوْله: (كَتَبَ إِلَى أَهْل جُرَش) بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الرَّاء وَهُوَ بَلَد بِالْيَمَنِ.