فصل: باب تَحْرِيمِ طَلاَقِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَيُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ ذَاتِ الدِّينِ:

2661- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُنْكَح الْمَرْأَة لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَدَاك» الصَّحِيح فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلهُ النَّاس فِي الْعَادَة فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَال الْأَرْبَع وَآخِرهَا عِنْدهمْ ذَات الدِّين، فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيّهَا الْمُسْتَرْشِد بِذَاتِ الدِّين. لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ قَالَ شِمْر: الْحَسَب الْفِعْل الْجَمِيل لِلرَّجُلِ وَآبَائِهِ. وَسَبَقَ فِي كِتَاب الْغُسْل مَعْنَى تَرِبَتْ يَدَاك.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْحَثّ عَلَى مُصَاحَبَة أَهْل الدِّين فِي كُلّ شَيْء لِأَنَّ صَاحِبهمْ يَسْتَفِيد مِنْ أَخِلَافهمْ وَبَرَكَتهمْ وَحُسْن طَرَائِقهمْ وَيَأْمَن الْمَفْسَدَة مِنْ جِهَتهمْ.

.باب اسْتِحْبَابِ نِكَاحِ الْبِكْرِ:

2663- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ: «تَزَوَّجْت؟ قَالَ نَعَمْ: قَالَ أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟، قُلْت: ثَيِّبًا قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ الْعَذَارَى وَلِعَابهَا؟» وَفِي رِوَايَة: «فَهَلَّا جَارِيَة تُلَاعِبهَا وَتُلَاعِبك؟» وَفِي رِوَايَة: «فَهَلَّا تَزَوَّجْت بِكْرًا تُضَاحِكك وَتُضَاحِكهَا وَتُلَاعِبك وَتُلَاعِبهَا؟» أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلِعَابهَا» فَهُوَ بِكَسْرِ اللَّام، وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاة الْبُخَارِيّ بِضَمِّهَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا الرِّوَايَة فِي كِتَاب مُسْلِم فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْر، وَهُوَ مِنْ الْمُلَاعَبَة مَصْدَر لَاعَبَ مُلَاعَبَة كَقَاتَلَ مُقَاتَلَة، قَالَ: وَقَدْ حَمَلَ جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِينَ فِي شَرْح هَذَا الْحَدِيث قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُلَاعِبهَا» عَلَى اللَّعِب الْمَعْرُوف وَيُؤَيِّدهُ تُضَاحِكهَا وَتُضَاحِكك.
قَالَ بَعْضهمْ: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ اللُّعَاب وَهُوَ الرِّيق.
وَفيه فَضِيلَة تَزَوُّج الْأَبْكَار وَثَوَابهنَّ أَفْضَل.
وَفيه مُلَاعَبَة الرَّجُل اِمْرَأَته وَمُلَاطَفَته لَهَا وَمُضَاحَكَتهَا وَحُسْن الْعِشْرَة.
وَفيه سُؤَال الْإِمَام الْكَبِير أَصْحَابه عَنْ أُمُورهمْ وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ وَإِرْشَادهمْ إِلَى مَصَالِحهمْ وَتَنْبِيههمْ عَلَى وَجْه الْمَصْلَحَة فيها.
2664- قَوْله: «قُلْت لَهُ: إِنَّ عَبْد اللَّه هَلَكَ وَتَرَكَ تِسْع بَنَات أَوْ سَبْع بَنَات، وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ آتِيهِنَّ أَوْ أَجِيئهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ فَأَحْبَبْت أَنْ أَجِيء بِامْرَأَةٍ تَقُوم عَلَيْهِنَّ وَتُصْلِحهُنَّ.
قَالَ: فَبَارَكَ اللَّه لَك أَوْ قَالَ لِي خَيْرًا»
فيه فَضِيلَة لِجَابِرٍ، وَإِيثَاره مَصْلَحَة أَخَوَاته عَلَى حَظّ نَفْسه، وَفيه الدُّعَاء لِمَنْ فَعَلَ خَيْرًا وَطَاعَة سَوَاء تَعَلَّقَتْ بِالدَّاعِي أَمْ لَا، وَفيه جَوَاز خِدْمَة الْمَرْأَة زَوْجهَا وَأَوْلَاده وَعِيَاله بِرِضَاهَا وَأَمَّا مِنْ غَيْر رِضَاهَا فَلَا.
قَوْله: «تَمْشُطهُنَّ» هُوَ بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الشِّين.
2665- قَوْله: «فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلَتْ» هَكَذَا هُوَ فِي نُسَخ بِلَادنَا، «أَقْبَلْنَا» وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة اِبْن سُفْيَان عَنْ مُسْلِم قَالَ وَفِي رِوَايَة اِبْن مَاهَان: «أَقْفَلْنَا» بِالْفَاءِ قَالَ وَوَجْه الْكَلَام: «قَفَلْنَا» أَيْ رَجَعْنَا وَيَصِحّ: «أَقْبَلْنَا» بِفَتْحِ اللَّام أَيْ أَقْفَلْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْفَلْنَا بِضَمِّ الْهَمْزَة لِمَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِله.
قَوْله: «تَعَجَّلْت عَلَى بَعِير لِي قُطُوف» هُوَ بِفَتْحِ الْقَاف أَيْ بَطِيء الْمَشْي.
قَوْله: «فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ» هِيَ بِفَتْحِ النُّون وَهِيَ عَصَا نَحْو نِصْف الرُّمْح فِي أَسْفَلهَا زَجّ.
قَوْله: «فَانْطَلَقَ بَعِيرِي كَأَجْوَد مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِل» هَذَا فيه مُعْجِزَة ظَاهِرَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثَر بَرَكَته.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُل لَيْلًا- أَيْ عِشَاء- كَيْ تَمْتَشِط الشَّعِثَة وَتَسْتَحِدّ الْمُغِيبَة» الِاسْتِحْدَاد اِسْتِعْمَال الْحَدِيدَة فِي شَعْر الْعَانَة وَهُوَ إِزَالَته بِالْمُوسَى وَالْمُرَاد هُنَا إِزَالَته كَيْف كَانَتْ، وَالْمُغِيبَة بِضَمِّ الْمِيم وَكَسْر الْغَيْن وَإِسْكَان الْيَاء وَهِيَ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا وَإِنْ حَضَرَ زَوْجهَا فَهِيَ (مَشْهَد) بِلَا هَاء.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِعْمَال مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالشَّفَقَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالِاحْتِرَاز مِنْ تَتَبُّع الْعَوْرَات وَاجْتِلَاب مَا يَقْتَضِي دَوَام الصُّحْبَة، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث مُعَارَضَة لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة فِي النَّهْي عَنْ الطُّرُوق لَيْلًا لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ جَاءَ بَغْتَة، وَأَمَّا هُنَا فَقَدْ تَقَدَّمَ خَبَر مَجِيئِهِمْ وَعِلْم النَّاس وُصُولهمْ وَأَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ عِشَاء، فَتَسْتَعِدّ لِذَلِكَ الْمُغِيبَة وَالشَّعِثَة وَتُصْلِح حَالهَا وَتَتَأَهَّب لِلِقَاءِ زَوْجهَا وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَدِمْت فَالْكَيْس الْكَيْس» قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ الْكَيْس الْجِمَاع وَالْكَيْس الْعَقْل وَالْمُرَاد حَثّه عَلَى اِبْتِغَاء الْوَلَد.
2666- قَوْله: «فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ» هُوَ بِكَسْرِ الْمِيم وَهُوَ عَصَا فيها تَعَقُّف يَلْتَقِط بِهَا الرَّاكِب مَا سَقَطَ مِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اُدْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» فيه اِسْتِحْبَاب رَكْعَتَيْنِ عِنْد الْقُدُوم مِنْ السَّفَر.
قَوْله: «فَوَزَنَ لِي بِلَال فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَان» فيه اِسْتِحْبَاب إِرْجَاح الْمِيزَان فِي وَفَاء الثَّمَن وَقَضَاء الدُّيُون وَنَحْوهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي حَدِيث جَابِر وَبَيْعه الْجَمَل فِي كِتَاب الْبُيُوع إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
2667- قَوْله: «وَأَنَا عَلَى نَاضِح» هُوَ الْبَعِير الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ.
قَوْله: «إِنَّمَا هُوَ فِي أُخْرَيَات» هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الرَّاء وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ:

2670- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع لَنْ تَسْتَقِيم لَك عَلَى طَرِيقَة فَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا اِسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَج وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرهَا طَلَاقهَا»، الْعِوَج ضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِ الْعَيْن وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِكَسْرِهَا وَلَعَلَّ الْفَتْح أَكْثَر، وَضَبَطَهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بْن عَسَاكِر وَآخَرُونَ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْأَرْجَح عَلَى مُقْتَضَى مَا سَنَنْقُلُهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْعَوَج بِالْفَتْحِ فِي كُلّ مُنْتَصِب كَالْحَائِطِ وَالْعُود وَشِبْهه، وَبِالْكَسْرِ مَا كَانَ فِي بِسَاط أَوْ أَرْض أَوْ مَعَاش أَوْ دِين، وَيُقَال: فُلَان فِي دِينه عِوَج بِالْكَسْرِ هَذَا كَلَام أَهْل اللُّغَة.
قَالَ صَاحِب الْمَطَالِع: قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْعِوَج بِالْفَتْحِ فِي كُلّ شَخْص، وَبِالْكَسْرِ فِيمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ كَالرَّأْيِ وَالْكَلَام.
قَالَ: وَانْفَرَدَ عَنْهُمْ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيُّ فَقَالَ: كِلَاهُمَا بِالْكَسْرِ وَمَصْدَرهمَا بِالْفَتْحِ.
(وَالضِّلَع) بِكَسْرِ الضَّاد وَفَتْح اللَّام.
وَفيه دَلِيل لِمَا يَقُولهُ الْفُقَهَاء أَوْ بَعْضهمْ أَنَّ حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع آدَم، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا} وَبَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُلَاطَفَة النِّسَاء وَالْإِحْسَان إِلَيْهِنَّ وَالصَّبْر عَلَى عِوَج أَخْلَاقهنَّ وَاحْتِمَال ضَعْف عُقُولهنَّ، وَكَرَاهَة طَلَاقهنَّ بِلَا سَبَب وَأَنَّهُ لَا يَطْمَع بِاسْتِقَامَتِهَا وَاَللَّه أَعْلَم.
2671- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا شَهِدَ أَمْرًا فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُت وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» فيه الْحَثّ عَلَى الرِّفْق بِالنِّسَاءِ وَاحْتِمَالهنَّ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَتَكَلَّم إِلَّا بِخَيْرٍ فَأَمَّا الْكَلَام الْمُبَاح الَّذِي لَا فَائِدَة فيه فَيُمْسَك عَنْهُ مَخَافَة مِنْ اِنْجِرَاره إِلَى حَرَام أَوْ مَكْرُوه.
2672- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَك مُؤْمِن مُؤْمِنَة إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر أَوْ قَالَ: غَيْره» يَفْرَك بِفَتْحِ الْيَاء وَالرَّاء وَإِسْكَان الْفَاء بَيْنهمَا قَالَ أَهْل اللُّغَة فَرِكَهُ بِكَسْرِ الرَّاء يَفْرُكُهُ إِذَا أَبْغَضه (وَالْفَرْك) بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء الْبُغْض، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا لَيْسَ عَلَى النَّهْي، قَالَ: هُوَ خَبَر، أَيْ لَا يَقَع مِنْهُ بُغْض تَامّ لَهَا.
قَالَ: وَبُغْض الرِّجَال لِلنِّسَاءِ خِلَاف بُغْضهنَّ لَهُمْ.
قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ: إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر هَذَا كَلَام الْقَاضِي وَهُوَ ضَعِيف أَوْ غَلَط، بَلْ الصَّوَاب أَنَّهُ نَهْي أَيْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فيها خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فيها خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ نَهْي يَتَعَيَّن لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات: «لَا يَفْرَكْ» بِإِسْكَانِ الْكَاف لَا بِرَفْعِهَا وَهَذَا يَتَعَيَّن فيه النَّهْي وَلَوْ رُوِيَ مَرْفُوعًا لَكَانَ نَهْيًا بِلَفْظِ الْخَبَر.
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ خِلَافه فَبَعْض النَّاس يُبْغِض زَوْجَته بُغْضًا شَدِيدًا وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَمْ يَقَع خِلَافه وَهَذَا وَاقِع، وَمَا أَدْرِي مَا حَمَلَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا التَّفْسِير.

.باب لَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ:

2673- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا حَوَّاء لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجهَا الدَّهْر» أَيْ لَمْ تَخُنْهُ أَبَدًا وَحَوَّاء بِالْمَدِّ. رُوِّينَا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: سُمِّيَتْ حَوَّاء لِأَنَّهَا أُمّ كُلّ حَيّ. قِيلَ: إِنَّهَا وَلَدَتْ لِآدَم أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا فِي كُلّ بَطْن ذَكَر وَأُنْثَى.
وَاخْتَلَفُوا: مَتَى خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع آدَم؟ فَقِيلَ: قَبْل دُخُوله الْجَنَّة فَدَخَلَاهَا، وَقِيلَ: فِي الْجَنَّة.
قَالَ الْقَاضِي: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا أُمّ بَنَات آدَم فَأَشْبَهْنَهَا وَنُزِعَ الْعِرْق لِمَا جَرَى فِي قِصَّة الشَّجَرَة مَعَ إِبْلِيس فَزَيَّنَ لَهَا أَكْل الشَّجَرَة فَأَغْوَاهَا فَأَخْبَرْت آدَم بِالشَّجَرَةِ فَأَكَلَ مِنْهَا.
2674- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ يَخْبُث الطَّعَام وَلَمْ يَخْنَز اللَّحْم» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَالنُّون وَبِكَسْرِ النُّون وَالْمَاضِي مِنْهُ (خَنِزَ) بِكَسْرِ النُّون وَفَتْحهَا وَمَصْدَره (الْخَنَز وَالْخُنُوز)، وَهُوَ إِذَا تَغَيَّرَ وَأَنْتَنَ.
قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسَّلْوَى نُهُوا عَنْ اِدِّخَارهمَا فَادَّخَرُوا فَفَسَدَ وَأَنْتَنَ وَاسْتَمَرَّ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت وَاَللَّه أَعْلَم.

.كتاب الطلاق:

هُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْإِطْلَاق وَهُوَ الْإِرْسَال وَالتَّرْك وَمِنْهُ طَلَّقْت الْبِلَاد أَيْ تَرَكْتهَا وَيُقَال طَلَقَتْ الْمَرْأَة وَطَلُقَتْ بِفَتْحِ اللَّام وَضَمّهَا وَالْفَتْح أَفْصَح تَطْلُق بِضَمِّهَا فيهمَا.

.باب تَحْرِيمِ طَلاَقِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَأَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَيُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا:

أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم طَلَاق الْحَائِض الْحَائِل بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا أَثِمَ وَوَقَعَ طَلَاقه وَيُؤْمَر بِالرَّجْعَةِ لِحَدِيثِ اِبْن عُمَر الْمَذْكُور فِي الْبَاب، وَشَذَّ بَعْض أَهْل الظَّاهِر، فَقَالَ: لَا يَقَع طَلَاقه لِأَنَّهُ غَيْر مَأْذُون لَهُ فيه فَأَشْبَهَ طَلَاق الْأَجْنَبِيَّة. وَالصَّوَاب الْأَوَّل، وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاء كَافَّة وَدَلِيلهمْ أَمْره بِمُرَاجَعَتِهَا وَلَوْ لَمْ يَقَع لَمْ تَكُنْ رَجْعَة. فَإِنْ قِيلَ الْمُرَاد بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَة اللُّغَوِيَّة وَهِيَ الرَّدّ إِلَى حَالهَا الْأَوَّل لَا أَنَّهُ تُحْسَب عَلَيْهِ طَلْقَة قُلْنَا هَذَا غَلَط لِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ حَمَلَ اللَّفْظ عَلَى الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة يُقَدَّم عَلَى حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُول الْفِقْه، الثَّانِي أَنَّ اِبْن عُمَر صَرَّحَ فِي رِوَايَات مُسْلِم وَغَيْره بِأَنَّهُ حَسَبَهَا عَلَيْهِ طَلْقَة وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا يُؤْمَر بِرَجْعَتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَهَذِهِ الرَّجْعَة مُسْتَحَبَّة لَا وَاجِبَة، هَذَا مَذْهَبنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَأَحْمَد وَفُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ وَآخَرُونَ، وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه: هِيَ وَاجِبَة. فَإِنْ قِيلَ فَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر هَذَا أَنَّهُ أَمَرَ بِالرَّجْعَةِ ثُمَّ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاق إِلَى طُهْر بَعْد الطُّهْر الَّذِي يَلِي هَذَا الْحَيْض فَمَا فَائِدَة التَّأْخِير؟ فَالْجَوَاب مِنْ أَرْبَعَة أَوْجُه: أَحَدهَا لِئَلَّا تَصِير الرَّجْعَة لِغَرَضِ الطَّلَاق فَوَجَبَ أَنْ يُمْسِكهَا زَمَانًا كَانَ يَحِلّ لَهُ فيه الطَّلَاق وَإِنَّمَا أَمْسَكَهَا لِتَظْهَر فَائِدَة الرَّجْعَة وَهَذَا جَوَاب أَصْحَابنَا، وَالثَّانِي عُقُوبَة لَهُ وَتَوْبَة مِنْ مَعْصِيَة بِاسْتِدْرَاكِ جِنَايَته، وَالثَّالِث أَنَّ الطُّهْر الْأَوَّل مَعَ الْحَيْض الَّذِي يَلِيه وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ فيه كَقُرْءٍ وَاحِد فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي أَوَّل طُهْر لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْض، وَالرَّابِع أَنَّهُ نَهَى عَنْ طَلَاقهَا فِي الطُّهْر لِيُطَوِّل مَقَامه مَعَهَا فَلَعَلَّهُ يُجَامِعهَا فَيَذْهَب مَا فِي نَفْسه مِنْ سَبَب طَلَاقهَا فَيُمْسِكهَا وَاَللَّه أَعْلَم.
2675- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْد وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْل أَنْ يَمَسّ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء» يَعْنِي قَبْل أَنْ يَمَسّ أَيْ قَبْل أَنْ يَطَأهَا، فَفيه تَحْرِيم الطَّلَاق فِي طُهْر جَامَعَهَا فيه.
قَالَ أَصْحَابنَا: يَحْرُم طَلَاقهَا فِي طُهْر جَامَعَهَا فيه حَتَّى يَتَبَيَّن حَمْلهَا لِئَلَّا تَكُون حَامِلًا فَيَنْدَم، فَإِذَا بَانَ الْحَمْل دَخَلَ بَعْد ذَلِكَ فِي طَلَاقهَا عَلَى بَصِيرَة فَلَا يَنْدَم فَلَا تُحَرَّم وَلَوْ كَانَتْ الْحَائِض حَامِلًا. فَالصَّحِيح عِنْدنَا وَهُوَ نَصّ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ لَا يَحْرُم طَلَاقهَا، لِأَنَّ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي الْحَيْض إِنَّمَا كَانَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة لِكَوْنِهِ لَا يُحْسَب قُرْءًا.
وَأَمَّا الْحَامِل الْحَائِض فَعِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل فَلَا يَحْصُل فِي حَقّهَا تَطْوِيل.
وَفِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ» دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا إِثْم فِي الطَّلَاق بِغَيْرِ سَبَب لَكِنْ يُكْرَه لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُور فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَغَيْره، أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْغَض الْحَلَال إِلَى اللَّه الطَّلَاق»، فَيَكُون حَدِيث اِبْن عُمَر لِبَيَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهَذَا الْحَدِيث لِبَيَانِ كَرَاهَة التَّنْزِيه.
قَالَ أَصْحَابنَا الطَّلَاق أَرْبَعَة أَقْسَام: حَرَام وَمَكْرُوه وَوَاجِب وَمَنْدُوب، وَلَا يَكُون مُبَاحًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَاجِب فَفِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا فِي الْحُكْمَيْنِ إِذَا بَعَثَهُمَا الْقَاضِي عِنْد الشِّقَاق بَيْن الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الْمَصْلَحَة فِي الطَّلَاق وَجَبَ عَلَيْهِمَا الطَّلَاق؛ وَفِي الْمَوْلَى إِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَطَالَبَتْ الْمَرْأَة بِحَقِّهَا فَامْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَة وَالطَّلَاق فَالْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُ يَجِب عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُطَلِّق عَلَيْهِ طَلْقَة رَجْعِيَّة.
وَأَمَّا الْمَكْرُوه فَأَنْ يَكُون الْحَال بَيْنهمَا مُسْتَقِيمًا فَيُطَلِّق بِلَا سَبَب وَعَلَيْهِ يُحْمَل حَدِيث: «أَبْغَض الْحَلَال إِلَى اللَّه الطَّلَاق».
وَأَمَّا الْحَرَام فَفِي ثَلَاث صُوَر أَحَدهَا فِي الْحَيْض بِلَا عِوَض مِنْهَا وَلَا سُؤَالهَا؛ وَالثَّانِي فِي طُهْر جَامَعَهَا فيه قَبْل بَيَان الْحَمْل؛ وَالثَّالِث إِذَا كَانَ عِنْده زَوْجَات يَقْسِم لَهُنَّ وَطَلَّقَ وَاحِدَة قَبْل أَنْ يُوفيها قَسْمهَا.
وَأَمَّا الْمَنْدُوب فَهُوَ أَلَّا تَكُون الْمَرْأَة عَفِيفَة أَوْ يَخَافَا أَوْ أَحَدهمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه أَوْ نَحْو ذَلِكَ وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا جَمْع الطَّلْقَات الثَّلَاثَة دَفْعَة فَلَيْسَ الثَّلَاث بِحَرَامٍ عِنْدنَا، لَكِنْ الْأَوْلَى تَفْرِيقهَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَأَبُو ثَوْر.
وَقَالَ مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث: هُوَ بِدْعَة قَالَ الْخَطَّابِيّ: فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعهَا» لَيْل عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة لَا تَفْتَقِر إِلَى رِضَا الْمَرْأَة وَلَا وَلِيّهَا وَلَا تَجْدِيد عَقْد وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمْر اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء» فِي دَلِيل لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَمُوَافِقِيهِمَا أَنَّ الْأَقْرَاء فِي الْعِدَّة هِيَ الْأَطْهَار لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِيُطَلِّقهَا فِي الطُّهْر إِنْ شَاءَ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء أَيْ فيها، وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه لَمْ يَأْمُر بِطَلَاقِهِنَّ فِي الْحَيْض، بَلْ حَرَّمَهُ، فَإِنْ قِيلَ: الضَّمِير فِي قَوْله: «فَتِلْكَ» يَعُود إِلَى الْحَيْضَة. قُلْنَا: هَذَا غَلَط لِأَنَّ الطَّلَاق فِي الْحَيْض غَيْر مَأْمُور بِهِ بَلْ مُحَرَّم، وَإِنَّمَا الضَّمِير عَائِد إِلَى الْحَالَة الْمَذْكُورَة وَهِيَ حَالَة الطُّهْر أَوْ إِلَى الْعِدَّة.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء مِنْ أَهْل الْفِقْه وَالْأُصُول وَاللُّغَة عَلَى أَنَّ (الْقُرْء) يُطْلَق فِي اللُّغَة عَلَى الْحَيْض وَعَلَى الطُّهْر وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَاء الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} وَفِيمَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّة، فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَآخَرُونَ: هِيَ الْأَطْهَار.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَآخَرُونَ: هِيَ الْحَيْض. وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَزُفَر وَإِسْحَاق وَآخَرُونَ مِنْ السَّلَف، وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد. قَالُوا: لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ يَجْعَلهَا قُرْأَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث، وَظَاهِر الْقُرْآن أَنَّهَا ثَلَاثَة.
وَالْقَائِل بِالْحَيْضِ يَشْتَرِط ثَلَاثَة حَيْضَات كَوَامِل فَهُوَ أَقْرَب إِلَى مُوَافَقَة الْقُرْآن، وَلِهَذَا الِاعْتِرَاض صَارَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار، قَالَ: وَلَكِنْ لَا تَنْقَضِي الْعِدَّة إِلَّا بِثَلَاثَةِ أَطْهَار كَامِلَة وَلَا تَنْقَضِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث. وَهَذَا مَذْهَب اِنْفَرَدَ بِهِ بَلْ اِتَّفَقَ الْقَائِلُونَ لِلْأَطْهَارِ عَلَى أَنَّهَا تَنْقَضِي بِقُرْأَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث، حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْر لَحْظَة يَسِيرَة حُسِبَ ذَلِكَ قُرْءًا، وَيَكْفيها طُهْرَانِ بَعْده. وَأَجَابُوا عَنْ الِاعْتِرَاض بِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَبَعْض الثَّالِث يُطْلَق عَلَيْهَا اِسْم: الْجَمِيع، قَالَ اللَّه تَعَالَى: {الْحَجّ أَشْهُر مَعْلُومَات} وَمَعْلُوم أَنَّهُ شَهْرَانِ وَبَعْض الثَّالِث، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} الْمُرَاد فِي يَوْم وَبَعْض الثَّانِي.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْأَطْهَارِ: مَتَى تَنْقَضِي عِدَّتهَا؟ فَالْأَصَحّ عِنْدنَا أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَة الدَّم بَعْد الطُّهْر الثَّالِث، وَفِي قَوْل: لَا تَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِي يَوْم وَلَيْلَة. وَالْخِلَاف فِي مَذْهَب مَالِك كَهُوَ عِنْدنَا.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَيْضِ أَيْضًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه: حَتَّى تَغْتَسِل مِنْ الْحَيْضَة الثَّالِثَة أَوْ يَذْهَب وَقْت صَلَاة.
وَقَالَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَالثَّوْرِيّ وَزُفَر وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد: حَتَّى تَغْتَسِل مِنْ الثَّالِثَة.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ: تَنْقَضِي بِنَفْسِ اِنْقِطَاع الدَّم. وَعَنْ إِسْحَاق رِوَايَة، أَنَّهُ إِذَا اِنْقَطَعَتْ الدَّم اِنْقَطَعَتْ الرَّجْعَة، وَلَكِنْ لَا تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ حَتَّى تَغْتَسِل اِحْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَاف وَاَللَّه أَعْلَم.
2676- قَوْله: «أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْت اِمْرَأَتك مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك» أَمَّا قَوْله: أَمَرَنِي بِهَذَا، فَمَعْنَاهُ أَمَرَنِي بِالرَّجْعَةِ وَأَمَّا قَوْله: أَمَّا أَنْتَ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: هَذَا مُشْكِل.
قَالَ: قِيلَ: إِنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ: «أَمَّا» أَيْ أَمَّا إِنْ كُنْت، فَحَذَفُوا الْفِعْل الَّذِي يَلِي (أَنَّ) وَجَعَلُوا (مَا) عِوَضًا مِنْ الْفِعْل، وَفَتَحُوا (أَنَّ) وَأَدْغَمُوا النُّون فِي (مَا)، وَجَاءُوا بِأَنْتَ مَكَان الْعَلَامَة فِي (كُنْت) وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله بَعْده: (وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك).
قَوْله: (قَالَ مُسْلِم: جَوَّدَ اللَّيْث فِي قَوْله تَطْلِيقَة وَاحِدَة) يَعْنِي أَنَّهُ حَفِظَ وَأَتْقَنَ قَدْر الطَّلَاق الَّذِي لَمْ يُتْقِنهُ غَيْره، وَلَمْ يُهْمِلهُ كَمَا أَهْمَلَهُ غَيْره، وَلَا غَلِطَ فيه وَجَعَلَهُ ثَلَاثًا كَمَا غَلِطَ فيه غَيْره.
وَقَدْ تَظَاهَرَتْ رِوَايَات مُسْلِم بِأَنَّهَا طَلْقَة وَاحِدَة.
2680- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثُمَّ لِيُطَلِّقهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فيه دَلَالَة لِجَوَازِ طَلَاق الْحَامِل الَّتِي تَبَيَّنَ حَمْلهَا وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء مِنْهُمْ طَاوُس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَرَبِيعَة وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان وَمَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْد، قَالَ اِبْن الْمُنْذِر: وَبِهِ أَقُول. وَبِهِ قَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ حَرَام. وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر رِوَايَة أُخْرَى عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ طَلَاق الْحَامِل مَكْرُوه، ثُمَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يُطَلِّق الْحَامِل ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِد، وَبِأَلْفَاظٍ مُتَّصِلَة، وَفِي أَوْقَات مُتَفَرِّقَة. وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز لَا بِدْعَة فيه.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف: يَجْعَل بَيْن الطَّلْقَتَيْنِ شَهْرًا.
وَقَالَ مَالِك وَزُفَر وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن. لَا يُوقِع عَلَيْهَا أَكْثَر مِنْ وَاحِدَة حَتَّى تَضَع.
2682- قَوْله: (لَقِيت أَبَا غَلَّاب يُونُس بْن جُبَيْر) هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْدِيد اللَّام وَآخِره بَاء مُوَحَّدَة هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن مَاكُولَا وَالْجُمْهُور وَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ بَعْض الرُّوَاة تَخْفِيف اللَّام.
قَوْله: (وَكَانَ ذَا ثَبَت) هُوَ بِفَتْحِ الثَّاء وَالْبَاء أَيْ مُثْبَتًا.
قَوْله: (قُلْت أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ قَالَ فَمَهْ أَوْ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ) مَعْنَاهُ أَفَيَرْتَفِع عَنْهُ الطَّلَاق وَإِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار، وَتَقْدِيره نَعَمْ تُحْسَب وَلَا يَمْتَنِع اِحْتِسَابهَا لِعَجْزِهِ وَحَمَاقَته.
قَالَ: الْقَاضِي: أَيْ إِنْ عَجَزَ عَنْ الرَّجْعَة وَفَعَلَ فِعْل الْأَحْمَق. وَالْقَائِل لِهَذَا الْكَلَام هُوَ اِبْن عُمَر صَاحِب الْقِصَّة، وَأَعَادَ الضَّمِير بِلَفْظِ الْغِيبَة وَقَدْ بَيَّنَهُ بَعْد هَذِهِ فِي رِوَايَة أَنَس بْن سِيرِينَ.
قَالَ: قُلْت- يَعْنِي لِابْنِ عُمَر- فَاعْتَدَدْت بِتِلْكَ التَّطْلِيقَة الَّتِي طَلُقَتْ وَهِيَ حَائِض.
قَالَ: مَا لِي لَا أَعْتَدّ بِهَا وَإِنْ كُنْت عَجَزْت وَاسْتَحْمَقْت؟ وَجَاءَ فِي غَيْر مُسْلِم أَنَّ اِبْن عُمَر قَالَ: رَأَيْت إِنْ كَانَ اِبْن عُمَر عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فَمَا يَمْنَعهُ أَنْ يَكُون طَلَاقًا؟
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُطَلِّقهَا فِي قُبُل عِدَّتهَا» هُوَ بِضَمِّ الْقَاف وَالْبَاء أَيْ فِي وَقْت تَسْتَقْبِل فيه الْعِدَّة وَتَشْرَع فيها، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار، وَأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الطُّهْر شَرَعَتْ فِي الْحَال فِي الْأَقْرَاء لِأَنَّ الطَّلَاق الْمَأْمُور بِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي الطُّهْر لِأَنَّهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الْحَيْض لَا يُحْسَب ذَلِكَ الْحَيْض قُرْءًا بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا تَسْتَقْبِل فيه الْعِدَّة وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلهَا إِذَا طَلُقَتْ فِي الطُّهْر وَاَللَّه أَعْلَم.
2683- وَأَمَّا قَوْله: (فَمَهْ) فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون لِلْكَفِّ وَالزَّجْر عَنْ هَذَا الْقَوْل، أَيْ لَا تَشُكّ فِي وُقُوع الطَّلَاق وَأَجْزَمَ بِوُقُوعِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُرَاد (بِمَهْ) (مَا) فَيَكُون اِسْتِفْهَامًا أَيْ فَمَا يَكُون أَنْ أَحْتَسِب بِهَا؟ وَمَعْنَاهُ لَا يَكُون إِلَّا الِاحْتِسَاب بِهَا فَأَبْدَلَ مِنْ الْأَلِف (هَاء) كَمَا قَالُوا فِي (مَهْمَا) أَنَّ أَصْلهَا (مَامَا) أَيْ أَيّ شَيْء.
2687- قَوْله: (عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ عَنْ اِبْن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ اِبْن عُمَر يَسْأَل عَنْ رَجُل طَلَّقَ اِمْرَأَته... إِلَى آخِره) وَقَالَ فِي آخِره: لَمْ أَسْمَعهُ يَزِيد عَلَى ذَلِكَ لِأَبِيهِ. فَقَوْله (لِأَبِيهِ) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة ثُمَّ الْيَاء الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اِبْن طَاوُسٍ قَالَ: لَمْ أَسْمَعهُ أَيْ لَمْ أَسْمَع أَبِي طَاوُسًا يَزِيد عَلَى هَذَا الْقَدْر مِنْ الْحَدِيث. وَالْقَائِل لِأَبِيهِ هُوَ اِبْن جُرَيْجٍ وَأَرَادَ تَفْسِير الضَّمِير فِي قَوْله اِبْن طَاوُسٍ (لَمْ أَسْمَعهُ) وَاللَّام زَائِدَة فَمَعْنَاهُ يُعْنَى أَبَاهُ وَلَوْ قَالَ يَعْنِي أَبَاهُ لَكَانَ أَوْضَح.
2688- قَوْله: «وَقَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُل عِدَّتهنَّ» هَذِهِ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَهِيَ شَاذَّة لَا تَثْبُت قُرْآنًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُون لَهَا حُكْم خَبَر الْوَاحِد عِنْدنَا وَعِنْد مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب طَلاَقِ الثَّلاَثِ:

2689- قَوْله: (عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ طَلَاق الثَّلَاث فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَة عُمَر طَلَاق الثَّلَاث وَاحِدَة، فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب: إِنَّ النَّاس قَدْ اِسْتَعْجَلُوا فِي أَمْر كَانَتْ لَهُمْ فيه أَنَاة فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) وَفِي رِوَايَة عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء (أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاس أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتْ الثَّلَاث تُجْعَل وَاحِدَة عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَة عُمَر؟ فَقَالَ اِبْن عَبَّاس نَعَمْ) وَفِي رِوَايَة: «أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاء قَالَ لِابْنِ عَبَّاس: هَاتِ مِنْ هَنَاتك أَلَمْ يَكُنْ طَلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَاحِدَة؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْد عُمَر تَتَابَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ» وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُد (عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْو هَذَا إِلَّا أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرَّجُل إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَته قَبْل أَنْ يَدْخُل بِهَا جَعَلُوهُ وَاحِدَة) هَذِهِ أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ مَعْدُود مِنْ الْأَحَادِيث الْمُشْكِلَة.
وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتَ طَالِق ثَلَاثًا فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: يَقَع الثَّلَاث.
وَقَالَ طَاوُس وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر: لَا يَقَع بِذَلِكَ إِلَّا وَاحِدَة. وَهُوَ رِوَايَة عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرَطْأَة وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَالْمَشْهُور عَنْ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة أَنَّهُ لَا يَقَع بِهِ شَيْء، وَهُوَ قَوْل اِبْن مُقَاتِل وَرِوَايَة عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس هَذَا، وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْض رِوَايَات حَدِيث اِبْن عُمَر أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا فِي الْحَيْض وَلَمْ يَحْتَسِب بِهِ، وَبِأَنَّهُ وَقَعَ فِي حَدِيث رُكَانَة أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا وَأَمَرَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْعَتِهَا.
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسه لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّه يُحْدِث بَعْد ذَلِكَ أَمْرًا} قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُطَلِّق قَدْ يَحْدُث لَهُ نَدَم فَلَا يُمْكِنهُ تَدَارُكه لِوُقُوعِ الْبَيْنُونَة، فَلَوْ كَانَتْ الثَّلَاث لَا تَقَع لَمْ يَقَع طَلَاقه هَذَا إِلَّا رَجْعِيًّا فَلَا يَنْدَم. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ رُكَانَة أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة؟» قَالَ: اللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة. فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الثَّلَاث لَوَقَعْنَ وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْلِيفِهِ مَعْنًى.
وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي رَوَاهَا الْمُخَالِفُونَ، أَنَّ رُكَانَة طَلَّقَ ثَلَاثًا فَجَعَلَهَا وَاحِدَة، فَرِوَايَة ضَعِيفَة عَنْ قَوْم مَجْهُولِينَ. وَإِنَّمَا الصَّحِيح مِنْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّة وَلَفْظ (الْبَتَّة) مُحْتَمَل لِلْوَاحِدَةِ وَلِلثَّلَاثِ وَلَعَلَّ صَاحِب هَذِهِ الرِّوَايَة الضَّعِيفَة اعْتَقَدَ أَنَّ لَفْظ (الْبَتَّة) يَقْتَضِي الثَّلَاث فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر فَالرِّوَايَات الصَّحِيحَة الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم وَغَيْره أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَة.
وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَابه وَتَأْوِيله، فَالْأَصَحّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر إِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتَ طَالِق أَنْتَ طَالِق أَنْتَ طَالِق، وَلَمْ يَنْوِ تَأْكِيدًا وَلَا اِسْتِئْنَافًا يَحْكُم بِوُقُوعِ طَلْقَة لِقِلَّةِ إِرَادَتهمْ الِاسْتِئْنَاف بِذَلِكَ فَحُمِلَ عَلَى الْغَالِب الَّذِي هُوَ إِرَادَة التَّأْكِيد، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَكَثُرَ اِسْتِعْمَال النَّاس بِهَذِهِ الصِّيغَة وَغَلَبَ مِنْهُمْ إِرَادَة الِاسْتِئْنَاف بِهَا حُمِلَتْ عِنْد الْإِطْلَاق عَلَى الثَّلَاث عَمَلًا بِالْغَالِبِ السَّابِق إِلَى الْفَهْم مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْر.
وَقِيلَ الْمُرَاد أَنَّ الْمُعْتَاد فِي الزَّمَن الْأَوَّل كَانَ طَلْقَة وَاحِدَة وَصَارَ النَّاس فِي زَمَن عُمَر يُوقِعُونَ الثَّلَاث دَفْعَة فَنَفَذَهُ عُمَر، فَعَلَى هَذَا يَكُون إِخْبَارًا عَنْ اِخْتِلَاف عَادَة النَّاس، لَا عَنْ تَغَيُّر حُكْم فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة.
قَالَ الْمَازِرِيّ وَقَدْ زَعَمَ مِنْ لَا خِبْرَة لَهُ بِالْحَقَائِقِ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ثُمَّ نُسِخَ.
قَالَ: وَهَذَا غَلَط فَاحِش لِأَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَا يَنْسَخ وَلَوْ نَسَخَ وَحَاشَاهُ لَبَادَرَتْ الصَّحَابَة إِلَى إِنْكَاره، وَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِل أَنَّهُ نُسِخَ فِي زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَلِكَ غَيْر مُمْتَنِع، وَلَكِنْ يَخْرُج عَنْ ظَاهِر الْحَدِيث. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلرَّاوِي أَنْ يُخْبِر بِبَقَاءِ الْحُكْم فِي خِلَافَة أَبِي بَكْر وَبَعْض خِلَافَة عُمَر.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يُجْمِع الصَّحَابَة عَلَى النَّسْخ فَيُقْبَل ذَلِكَ مِنْهُمْ. قُلْنَا: إِنَّمَا يُقْبَل ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى نَاسِخ، وَأَمَّا أَنَّهُمْ يَنْسَخُونَ مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ فَمَعَاذ اللَّه لِأَنَّهُ إِجْمَاع عَلَى الْخَطَأ وَهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنَّ قِيلَ: فَلَعَلَّ النَّسْخ إِنَّمَا ظَهَرَ لَهُمْ فِي زَمَن عُمَر. قُلْنَا: هَذَا غَلَط أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَكُون قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَى الْخَطَأ فِي زَمَن أَبِي بَكْر وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ لَا يَشْتَرِطُونَ اِنْقِرَاض الْعَصْر فِي صِحَّة الْإِجْمَاع وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِي سُنَن أَبِي دَاوُدَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَدْخُل بِهَا، فَقَالَ بِهَا قَوْم مِنْ أَصْحَاب اِبْن عَبَّاس فَقَالُوا: لَا يَقَع الثَّلَاث عَلَى غَيْر الْمَدْخُول بِهَا، لِأَنَّهَا تَبِين بِوَاحِدَةٍ بِقَوْلِهِ: أَنْتَ طَالِق فَيَكُون قَوْله ثَلَاثًا حَاصِل بَعْد الْبَيْنُونَة فَلَا يَقَع بِهِ شَيْء.
وَقَالَ الْجُمْهُور: هَذَا غَلَط بَلْ يَقَع عَلَيْهَا الثَّلَاث، لِأَنَّ قَوْله: «أَنْتَ طَالِق» مَعْنَاهُ ذَات طَلَاق. وَهَذَا اللَّفْظ يَصْلُح لِلْوَاحِدَةِ وَالْعَدَد، وَقَوْله بَعْده (ثَلَاثًا) تَفْسِير لَهُ.
وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَة الَّتِي لِأَبِي دَاوُدَ فَضَعِيفَة، رَوَاهَا أَيُّوب السِّخْتِيَانِيّ عَنْ قَوْم مَجْهُولِينَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَلَا يُحْتَجّ بِهَا وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله: (كَانَتْ لَهُمْ فيه أَنَاة) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة أَيْ مُهْلَة وَبَقِيَّة اِسْتِمْتَاع لِانْتِظَارِ الْمُرَاجَعَة.
2691- قَوْله: (تَتَايَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق) هُوَ بِيَاءٍ مُثَنَّاة مِنْ تَحْت بَيْن الْأَلِف وَالْعَيْن هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَهُمَا بِمَعْنًى، وَمَعْنَاهُ أَكْثِرُوا مِنْهُ وَأَسْرِعُوا إِلَيْهِ لَكِنْ بِالْمُثَنَّاةِ إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الشَّرّ وَبِالْمُوَحَّدَةِ يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ فَالْمُثَنَّاة هُنَا أَجْوَد.
وَقَوْله: (هَاتِ مِنْ هَنَاتك) هُوَ بِكَسْرِ التَّاء مِنْ (هَاتِ) وَالْمُرَاد بِهَنَاتِك أَخْبَارك وَأُمُورك الْمُسْتَغْرَبَة وَاَللَّه أَعْلَم.