فصل: إثبات اليدين لله تعالى

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: شرح العقيدة الواسطية **


 إثبات اليدين لله تعالى

وقوله‏:‏ ‏{‏ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي‏}‏، ‏{‏وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء‏}‏‏(‏1‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

‏(‏1‏)‏ ذكر المؤلف رحمه الله لإثبات اليدين لله تعالى آيتين‏:‏

الآية الأولى‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏‏.‏

* ‏{‏ما منعك‏}‏‏:‏ الخطاب لإبليس‏.‏

* و ‏{‏ما منعك‏}‏‏:‏ استفهام للتوبيخ، يعني أي شيء منعك أن تسجد‏.‏

* وقوله ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏‏:‏ ولم يقل‏:‏ لمن خلقت، لأن المراد هنا آدم، باعتبار وصفه الذي لم يشركه أحد فيه، وهو خلق الله إياه بيده، لا باعتبار شخصه‏.‏

ولهذا لما أراد إبليس النيل من آدم وخط قدره، قال‏:‏ ‏{‏أأسجد لمن خلقت طينا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 16‏]‏‏.‏

ونحن قد قررنا أنه إذا عبر بـ‏(‏ما‏)‏ عما يعقل، فإنه يلاحظ فيه معنى الصفة لا معنى العين والشخص، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏، لم يقل‏:‏ ‏(‏من‏)‏، لأنه ليس المراد عين هذه المرأة، ولكن المراد الصفة‏.‏

فهنا قال‏:‏ ‏{‏لما خلقت‏}‏، أي‏:‏ هذا الموصوف العظيم الذي أكرمته بأنني خلقته بيدي، ولم يقصد‏:‏ لمن خلقت، أي‏:‏ لهذا الآدمي بعينه‏.‏

* وقوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏‏:‏ هي كقول القائل‏:‏ بريت بالقلم والقلم آلة البري، وتقول‏:‏ صنعت هذا بيدي، فاليد هنا آلة الصنع‏.‏

{‏لما خلقت بيدي‏}‏، يعني‏:‏ أن الله عز وجل خلق آدم بيده، وهنا قال‏:‏ ‏{‏بيدي‏}‏، وهي صيغة تثنية، وحذفت النون من التثنية من أجل الإضافة، كما يحذف التنوين، نحن عندما نعرب المثنى وجمع المذكر السالم، نقول‏:‏ النون عوض من التنوين في الاسم المفرد‏.‏ والعوض له حكم المعوض، فكما أن التنوين يحذف عند الإضافة، فنون التثنية والجمع تحذف عند الإضافة‏.‏

في هذه الآية توبيخ إبليس في تركه السجود لما خلقه الله بيده، وهو آدم عليه الصلاة والسلام‏.‏

وفيها‏:‏ إثبات صفة الخلق‏:‏ ‏{‏لما خلقت‏}‏‏.‏

وفيها‏:‏ إثبات اليدين لله سبحانه وتعالى‏:‏ اليدين اللتين بهما يفعل، كالخلق هنا‏.‏ اليدين اللتين بهما يقبض‏:‏ ‏{‏وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 67‏]‏، وبهما يأخذ، فإن الله تعالى يأخذ الصدقة فيربيها كما يربي الإنسان فلوه‏)‏ لما رواه البخاري/ كتاب الزكاة/ باب لا يقبل الله صدقة من غلول‏"‏، ومسلم/ كتاب الزكاة/ باب قبول الصدقة من الكسب الطيب‏.‏‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏‏:‏ فيها أيضاً تشريف لآدم عليه الصلاة والسلام، حيث خلقه الله تعالى بيده‏.‏

قال أهل العلم‏:‏ وكتب الله التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده‏.‏

فهذه ثلاثة أشياء، كلها كانت بيد الله تعالى‏.‏

ولعلنا بالمناسبة لا ننسى ما مر من قول النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏)‏إن الله خلق آدم على صورته‏(‏ (1) ، وذكرنا أن أحد الوجهين الصحيحين في تأويلها أن الله خلق آدم على الصورة التي اختارها واعتنى بها، ولهذا أضافها الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، كإضافة الناقة والبيت إلى الله والمساجد إلى الله‏.‏ والقول الثاني‏:‏ أنه على صورته حقيقة ولا يلزم من ذلك التماثل‏.‏

الآية الثانية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏‏.‏

* ‏{‏اليهود‏}‏‏:‏ هم أتباع موسى عليه الصلاة والسلام‏.‏

سموا يهوداً، قيل‏:‏ لأنهم قالوا‏:‏ ‏{‏إن هدنا إليك‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 156‏]‏، وبناء على هذا يكون الاسم عربياً، لأن هاد يهود ـ إذا رجع ـ عربي‏.‏

وقيل‏:‏ أن أصله يهوذا، اسم أحد أولاء يعقوب، واليهود من نسبوا إليه، لكن عند التعريب صارت الذال دالاً، فقيل‏:‏ يهود‏.‏

وأياً كان، لا يهمنا أن أصله هذا أو هذا‏.‏

ولكننا نعلم أن اليهود هم طائفة من بني إسرائيل، اتبعوا موسى عليه الصلاة والسلام‏.‏

وهؤلاء اليهود من أشد الناس عتواً ونفوراً، لأن عتو فرعون وتسلطه عليهم جعل ذلك ينطبع في نفوسهم، وصار فيهم العتو على الناس، بل وعلى الخالق عز وجل، فهم يصفون الله تعالى بأوصاف العيوب ـ قبحهم الله، وهم أهلها‏.‏

* يقولون‏:‏ ‏{‏يد الله مغلولة‏}‏، أي‏:‏ محبوسة عن الإنفاق، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 29‏]‏، أي‏:‏ محبوسة عن الإنفاق‏.‏

وقالوا‏:‏ ‏{‏إن الله فقير‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 181‏]‏‏!‏

أما قولهم‏:‏ إن يد الله مغلولة، فقالوا‏:‏ لولا أنها مغلولة، لكان الناس كلهم أغنياء، فكونه يجود على زيد ولا يجود على عمرو‏:‏ هذا هو الغل وعدم الإنفاق‏!‏‏!‏

وقالوا‏:‏ إن الله فقير، لأن الله قال‏:‏ ‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏، فقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام‏:‏ يا محمد‏!‏ إن ربك افتقر، صار يستقرض منا‏.‏ قاتلهم الله‏!‏‏!‏

وقالت اليهود أيضاً‏:‏ إن الله عاجز، لأن حين خلق السماوات والأرض، استراح يوم السبت، وجعل العطلة محل عيد، فصار عيدهم يوم السبت‏.‏ قاتلهم الله‏!‏‏!‏

* هنا يقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وقالت اليهود يد الله مغلولة‏}‏‏:‏ ‏{‏يد‏}‏‏:‏ أفردوها، لأن اليد الواحد أقل عطاء من اليدين الثنتين، ولهذا جاء الجواب بالتثنية والبسط، فقال‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏‏.‏

* ولما وصفوا الله بهذا العيب، عاقبهم الله بما قالوا، فقال‏:‏ ‏{‏غُلت أيديهم‏}‏، أي‏:‏ منعت عن الإنفاق، ولهذا كان اليهود أشد الناس جمعاً للمال ومنعاً للعطاء، فهم أبخل عباد الله، وأشدهم شحاً في طلب المال، ولا يمكن أن ينفقوا فلساً، إلا وهم يظنون أنهم سيكسبون بدله درهماً، ونرى نحن الآن لهم جمعيات كبيرة وعظيمة، لكن هم يريدون من وراء هذه الجمعيات والتبرعات أكثر وأكثر، يريدون أن يسيطروا على العالم‏.‏

فإذا، لا تقل أيها الإنسان‏:‏ كيف نجمع بين قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غلت أيديهم‏}‏، وبين الواقع اليوم بالنسبة لليهود‏؟‏‏!‏ لأن هؤلاء القوم يبذلون ليربحوا أكثر‏.‏

* ‏{‏ولعنوا ما قالوا‏}‏، أي‏:‏ طردوا وأبعدوا عن رحمة الله عز وجل، لأن البلاء موكل بالمنطق، فهم لما وصفوا الله بالإمساك، طردوا وأبعدوا عن رحمته، قيل لهم‏:‏ إذا كان الله عز وجل كما قلتم لا ينفق، فليمنعكم رحمته حتى لا يعطيكم من جوده، فعوقبوا بأمرين‏:‏

1- بتحويل الوصف الذي عابوا به الله سبحانه إليهم بقوله‏:‏ ‏{‏غلت أيديهم‏}‏‏.‏

2- وبإلزامهم بمقتضى قولهم، بإبعادهم عن رحمة الله، حتى لا يجدوا جود الله وكرمه وفضله‏.‏

* ‏{‏بما قالوا‏}‏‏:‏ الباء هنا للسببية، وعلامة الباء التي للسببية‏:‏ أن يصح أن يليها كلمة ‏(‏سبب‏)‏‏.‏

و ‏(‏ما‏)‏ هنا يصح أن تكون مصدرية، ويصح أن تكون موصولة، فإن كانت موصولة، فالعائد محذوف، وتقديره‏:‏ بالذي قالوه‏.‏ وإن كانت مصدرية، فالفعل يحول إلى مصدر، أي‏:‏ بقولهم‏.‏

* ثم أبطل الله سبحانه وتعالى دعواهم، فقال‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏‏.‏

* ‏{‏بل‏}‏‏:‏ هنا للإضراب الإبطالي‏.‏

وانظر كيف اختلف التعبير‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏، لأن المقام مقام تمدح بالكرم، والعطاء باليدين أكل من العطاء باليد الواحدة‏.‏

* ‏{‏مبسوطتان‏}‏‏:‏ ضد قولهم‏:‏ ‏{‏مغلولة‏}‏، فيد الله تعالى مبسوطتان واسعتا العطاء‏:‏

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يد الله ملأى سحاء - كثيرة العطاء - الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما فيه يمينه‏)‏ (2).‏

من يحصى ما أنفق الله منذ خلق السماوات والأرض‏؟‏‏!‏ لا يحصيه أحد‏!‏ ومع ذلك لم يغض ما في يمينه‏.‏

وهذا كقوله تعالى في الحديث القدسي‏:‏ ‏(‏يا عبادي‏!‏ لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر‏)‏ (3).‏

ولننظر إلى المخيط غمس في البحر، فإذا نزعته، لا ينقص البحر شيئاً أبداً، ومثل هذه الصيغة يؤتى بها للمبالغة في عدم النقص، لأن عدم نقص البحر في مثل هذه الصورة أم معلوم، مستحيل أن البحر ينقص بهذا، فمستحيل أيضاً أن الله عز وجل ينقص ملكه إذا قام كل إنسان من الإنس والجن، فقاوموا فسألوا الله تعالى، فأعطى كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكه شيئاً‏.‏

لا تقل‏:‏ ‏"‏نعم، لا ينقص من ملكه شيئاً، لأنه انتقل من ملكه إلى ملكه‏"‏، لأنه لا يمكن أن يكون هذا هو المراد، لأنه لو كان هذا المراد، لكان الكلام عبثاً ولغواً‏.‏

لكن المعنى‏:‏ لو فرض أن هذه العطايا العظيمة أعطيت على أنها خارجة عن ملك الله، لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً‏.‏

ولو كان المعنى هو الأول، لم يكن فيه فائدة، فمعروف أنه لو كان عندك عشرة ريالات، أخرجتها من الدرج الأيمن إلى الدرج الأيسر، وقال إنسان‏:‏ إن مالك لم ينقص، لقيل‏:‏ هذا لغو من القول‏!‏

المهم أن المعنى‏:‏ لو أن هذا الذي أعطاه السائلين خارج عن ملكه، فإنه لا ينقصه سبحانه وتعالى‏.‏

وليس إنفاق الله تعالى لما نحصل من الدراهم والمتاع، بل كل ما بنا من نعمة فهو من الله تعالى، سواء كانت من نعم الدين أم الدنيا، فذرات المطر من إنفاق الله علينا، وحبات النبات من إنفاق الله‏.‏

أفبعد هذا يقال كما قالت اليهود عليهم لعائن الله‏:‏ ‏{‏يد الله مغلولة‏}‏‏؟‏‏!‏

لا والله‏!‏ بل يقال‏:‏ إن يدي الله عز وجل مبسوطتان بالعطاء والنعم التي لا تعد ولا تحصى‏.‏

لكن إذا قالوا‏:‏ لماذا أعطى زيداً ولم يعط عمراً‏؟‏

قلنا‏:‏ لأن الله تعالى له السلطان المطلق والحكمة البالغة، ولهذا قال رداً على شبهتهم‏:‏ ‏{‏ينفق كيف يشاء‏}‏، فمن الناس من يعطيه كثيراً، ومنهم من يعطيه قليلاً، ومنهم من يعطيه وسطاً، تبعاً لما تقتضيه الحكمة، على أن هذا الذي أعطي قليلاً ليس محروماً من فضل الله وعطائه من جهة أخرى، فالله أعطاه صحة وسمعاً وبصراً وعقلاً وغير ذلك من النعم التي لا تحصى، ولكن لطغيان اليهود وعدوانهم وأنهم لم ينزهوا الله عن صفات العيب، قالوا‏:‏ ‏{‏يد الله مغلولة‏}‏‏.‏

فالآيتان السابقتان فيهما إثبات صفة اليدين لله عز وجل‏.‏

ولكن قد يقول قائل‏:‏ إن لله أكثر من يدين، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏، فأيدينا هنا جمع، فلنأخذ بهذا الجمع، لأننا إذا أخذنا بالجمع، أخذنا بالمثنى وزيادة، فما هو الجواب‏؟‏

فالجواب أن يقال‏:‏ جاءت اليد مفردة ومثناة وجمعاً‏:‏

أما اليد التي جاءت بالإفراد، فإن المفرد المضاف يفيد العموم، فيشمل كل ما ثبت لله من يد، ودليل عموم المفرد المضاف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 34‏]‏، فـ ‏{‏نعمت‏}‏‏:‏ مفرد مضاف، فهي تشمل كثيراً، لقوله‏:‏ ‏{‏لا تحصوها‏}‏، إذاً‏:‏ فما هي واحدة ولا ألف ولا مليون ولا ملايين‏.‏

{‏يد الله‏}‏‏:‏ نقول هذا المفرد لا يمنع التعدد إذا ثبت، لأن المفرد المضاف يفيد العموم‏.‏

أما المثنى والجمع، فنقول‏:‏ إن الله ليس له إلا يدان اثنتان، كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة‏.‏

ففي الكتاب‏:‏

في صورة ص قال‏:‏ ‏{‏لما خلقت يدي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏57‏]‏، والمقام مقام تشريف، ولو كان الله خلقه بأكثر من يدين، لذكره، لأنه كلما ازدادت الصفة التي بها خلق الله هذا الشيء، ازداد تعظيم هذا الشيء‏.‏

وأيضاً‏:‏ في سورة المائدة قال‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏، في الرد على من قالوا‏:‏ ‏{‏يد الله‏}‏، بالإفراد، والمقام مقام يقتضي كثرة النعم، وكلما كثرت وسيلة العطاء، كثر العطاء، فلو كان لله تعالى أكثر من اثنتين لذكرهما‏.‏

أما السنة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏{‏يطوي الله تعالى السماوات بيمينه والأرض بيده الأخرى‏}‏ (4).‏

قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كلتا يديه يمين‏)‏ (5).‏

ولم يذكر أكثر من اثنتين‏.‏

وأجمع السلف على أن لله يدين اثنتين فقط بدون زيادة‏.‏

فعندنا النص من القرآن والسنة والإجماع على أن لله تعالى يدين اثنتين، فيكف نجمع بين هذا وبين الجمع‏:‏ ‏{‏مما عملت أيدينا‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71‏]‏‏؟‏‏!‏

فنقول الجمع على أحد الوجهين‏:‏

فإما أن نقول بما ذهب إليه بعض العلماء، من أن أقل الجمع اثنان، وعليه، فـ‏{‏أيدينا‏}‏ لا تدل على أكثر من اثنتين، يعني‏:‏ لا يلزم أن تدل على أكثر من اثنين، وحينئذ تطابق التثنية‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏، ولا إشكال فيه‏.‏

فإذا قلت‏:‏ ما حجة هؤلاء على أن الجمع أقله اثنان‏؟‏

فالجواب‏:‏ احتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏، وهما اثنتان، والقلوب جمع، والمراد به قلبان فقط، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 4‏]‏ٍ، ولا لامرأة كذلك‏.‏

واحتجوا أيضاً بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان له إخوة فلأمه السدس‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 11‏]‏، فـ ‏{‏إخوة‏}‏ جمع، والمراد به اثنان‏.‏

واحتجوا أيضاً بأن جماعة الصلاة تحصل باثنين‏.‏

ولكن جمهور أهل اللغة يقولون‏:‏ إن أقل الجمع ثلاثة، وإن خروج الجمع إلى الاثنين في هذه النصوص لسبب، وإلا فإن أقل الجمع في الأصل ثلاثة‏.‏

وإما أن نقول‏:‏ إن المراد بهذا الجمع التعظيم، تعظيم هذه اليد وليس المراد أن لله تعالى أكثر من اثنتين‏.‏

ثم إن المراد باليد هنا نفس الذات التي لها يد، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس‏}‏ ‏[‏الروم‏:‏ 41‏]‏، أي‏:‏ بما كسبوا، سواء كان من كسب اليد أو الرجل أو اللسان أو غيرها من أجزاء البدن، لكن يعبر بمثل هذا التعبير عن الفاعل نفسه‏.‏

ولهذا نقول‏:‏ إن الأنعام التي هي الإبل لم يخلقها الله تعالى بيده، وفرق بين قوله‏:‏ ‏{‏مما عملت أيدينا‏}‏، وبين قوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏، فـ‏:‏ ‏{‏مما عملت أيدينا‏}‏، كأنه قال‏:‏ مما عملنا، لأن المراد باليد ذات الله التي لها يد، والمراد بـ‏{‏بيدي‏}‏‏:‏ اليدان دون الذات‏.‏

وبهذا يزول الإشكال في صفة اليد التي وردت بالإفراد والتثنية والجمع‏.‏

فعلم الآن أن الجمع بين المفرد والتثنية سهل، وذلك أن هذا مفرد مضاف فيعم كل منا ثبت لله من يد‏.‏

وأما بين التثنية والجمع، فمن وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه لا يراد بالجمع حقيقة معناه ـ وهو الثلاثة فأكثر ـ بل المراد به التعظيم كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ و ‏{‏نحن‏}‏ و ‏{‏وقلنا‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ وما أشبه ذلك، وهو واحد، لكن يقول هذا للتعظيم‏.‏

أو يقال‏:‏ إن أقل الجمع اثنان، فلا يحصل هنا تعارض‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسماء بنيناها بأيد‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 47‏]‏، فالأيد هنا بمعنى القوة، فهي مصدر آد يئيد، بمعنى‏:‏ قيد، وليس المراد بالأيد صفة الله، ولهذا ما أضافها الله إلى نفسه، ما قال‏:‏ بأيدينا‏!‏ بل قال‏:‏ ‏{‏بأيد‏}‏، أي‏:‏ بقوة‏.‏

ونظير ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يكشف عن ساق‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 42‏]‏، فإن لعلماء السلف في قوله‏:‏ ‏(‏عن ساق‏(‏‏:‏ قولين‏:‏

القول الأول‏:‏ أن المراد به الشدة‏.‏

والقول الثاني‏:‏ أن المراد به ساق الله عز وجل‏.‏

فمن نظر إلى سياق الآية مع حديث أبي سعيد (6)، قال‏:‏ إن المراد بالساق هنا ساق الله‏.‏ ومن نظر إلى الآية بمفردها، قال‏:‏ المراد بالساق الشدة‏.‏

فإذا قال قائل‏:‏ أنتم تثبتون أن لله تعالى يداً حقيقية، ونحن لا نعلم من الأيدي إلا أيادي المخلوقين، فيلزم من كلامكم تشبيه الخالق بالمخلوق‏.‏

فالجواب أن نقول‏:‏ لا يلزم من إثبات اليد لله أن نمثل الخالق بالمخلوقين، لأن إثبات اليد جاء في القرآن والسنة وإجماع السلف، ونفى مماثلة الخالق للمخلوقين يدل عليه الشرع والعقل والحس‏:‏

- أما الشرع، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏

- وأما العقل، فلا يمكن أن يماثل الخالق المخلوق في صفاته، لأن هذا يعد عيباً في الخالق‏.‏

- وأما الحس، فكل إنسان يشاهد أيدي المخلوقات متفاوتة ومتباينة من كبير وصغير، وضخم ودقيق‏.‏‏.‏ إلخ، فيلزم من تباين أيدي المخلوقين وتفاوتهم مباينة يد الله تعالى لأيدي المخلوقين وعدم مماثلته لهم سبحانه وتعالى من باب أولى‏.‏

هذا، وقد خالف أهل السنة والجماعة في إثبات اليد لله تعالى أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم، وقالوا‏:‏ لا يمكن أن نثبت لله يداً حقيقية، بل المراد باليد أمر معنوي، وهو القوة‏!‏‏!‏ أو المراد باليد النعمة لأن اليد تطلق في اللغة العربية على القوة وعلى النعمة‏.‏

ففي الحديث الصحيح حديث النواس بن سمعان الطويل‏:‏ ‏(‏أن الله يوحي إلى عيسى أني أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم‏)‏ (7) ، والمعنى‏:‏ لا قوة لأحد بقتالهم، وهم يأجوج ومأجوج‏.‏

وأما اليد بمعنى النعمة، كثير، ومنه قول رسول قريش لأبي بكر‏:‏ ‏(‏لولا يد لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك‏)‏ (8) ، يعني‏:‏ نعمة‏.‏

وقول المتنبي‏:‏

وكم لظلام الليل عندك من يد ** تحدث أن المانوية تكذب

والمانوية‏:‏ فرقة من المجوس الذين يقولون‏:‏ إن الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير‏.‏ فالمتنبي يقول‏:‏ إنك تعطي في الليل العطايا الكثيرة التي تدل على أن المانوية تكذب، لأن ليلك يأتي بخير‏.‏

فالمراد بيد الله‏:‏ النعمة، وليس المراد باليد اليد الحقيقية، لأنك لو أثبت لله يداً حقيقية، لزم من ذلك التجسيم أن يكون الله تعالى جسماً، والأجسام متماثلة، وحينئذ تقع فيما نهى الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فلا تضربوا لله الأمثال‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 74‏]‏‏.‏

ونحن أسعد بالدليل منك أيها المثبت للحقيقة‏!‏‏!‏ نقول‏:‏ سبحان من تنزه من الأعراض والأبعاض والأغراض‏!‏‏!‏ لا تجد مثل هذه السجعة لا في الكتاب ولا في السنة‏.‏

وجوابنا على هذا من عدة وجوه‏:‏

أولاً‏:‏ أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفاً لظاهر اللفظ، فهو مردود، إلا بدليل‏.‏

ثانياً‏:‏ أنه مخالف لإجماع السلف، حيث إنهم كلهم مجمعون على أن المراد باليد اليد الحقيقية‏.‏

فإن قال لك قائل‏:‏ أين إجماع السلف‏؟‏ هات لي كلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي، يقولون‏:‏ إن المراد بيد الله الحقيقية‏!‏‏.‏

أقوله له‏:‏ ائت لي بكلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو غيرهم من الصحابة والأئمة من بعدهم يقولون‏:‏ إن المراد باليد القوة أو النعمة‏.‏

فلا يستطيع أن بذلك‏.‏

إذاً، فلو كان عندهم معنى يخالف ظاهر اللفظ، لكانوا يقولون به، ولنقل عنهم، فلما لم يقولون به، علم أنهم أخذوا بظاهر اللفظ وأجمعوا عليه‏.‏

وهذه فائدة عظيمة، وهي أنه إذا لم ينقل عن الصحابة ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة، فإنهم لا يقولون بسواه، لأنهم الذين نزل القرآن بلغتهم، وخاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم بلغتهم، فلا بد أن يفهموا الكتاب والسنة على ظاهرهما، فإذا لم ينقل عنهم ما يخالفه، كان ذلك قولهم‏.‏

ثالثاً‏:‏ أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعم أو القوة في مثل قوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏، لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط، ونعم الله لا تحصى‏!‏‏!‏ ويستلزم أن القوة قوتان، والقوة بمعنى واحد لا يتعدد فهذا التركيب يمنع غاية المنع أن يكون المراد باليد القوة أو النعمة‏.‏

هب أنه قد يمكن في قوله‏:‏ ‏{‏بل يداه مبسوطتان‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏‏:‏ أن يراد بهما النعمة على تأويل، لكن لا يمكن أن يراد بقوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏ النعمة أبداً‏.‏

أما القوة، فيمتنع أن يكون المراد باليدين القوة في الآيتين جميعاً، في قوله‏:‏ ‏{‏بل يداه‏}‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏لما خلقت بيدي‏}‏، لأن القوة لا تتعدد‏.‏

رابعاً‏:‏ أنه لو كان المراد باليد القوة، ما كان لآدم فضل على إبليس، بل ولا على الحمير والكلاب؛ لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله، ولو كان المراد باليد القوة، ما صح الاحتجاج على إبليس، إذ إن إبليس سيقول‏:‏ وأنا يا رب خلقتني بقوتك، فما فضله علي‏؟‏‏!‏

خامساً‏:‏ أن يقال‏:‏ إن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة، فجاء فيها الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين، وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة، لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف‏.‏

فتبين بهذا أن قول هؤلاء المحرفين الذين قالوا‏:‏ المراد باليد القوة باطل من عدة أوجه‏.‏

وقد سبق أن صفات الله عز وجل من الأمور الخبرية الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال، وما كان هذا سبيله، فإن الواجب علينا إبقاؤه على ظاهره، من غير أن نتعرض له‏.‏

 إثبات العينين لله تعالى

وقوله‏:‏ ‏{‏واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا‏}‏، ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودسر ‏(‏13‏)‏ تجري بأعيينا جزاء لمن كان كفر‏}‏، ‏{‏وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني‏}‏‏(‏1‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

‏(‏1‏)‏ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لإثبات العينين لله تعالى ثلاث آيات‏.‏

الآية الأولى‏:‏ ‏{‏وأصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏‏.‏

* الخطاب هنا للنبي عليه الصلاة والسلام‏.‏

* والصبر‏:‏ بمعنى الحبس، ومنه قوله‏:‏ قتل صبراً، أي‏:‏ قتل وقد حبس للقتل‏.‏

فالصبر في اللغة‏:‏ بمعنى الحبس‏.‏

وفي الشرع‏:‏ قالوا‏:‏ هو الصبر لأحكام الله، يعني‏:‏ حبس النفس لأحكام الله‏.‏

وأحكام الله عز وجل شرعية وكونية‏:‏ والشرعية‏:‏ أوامر ونواه، فالصبر على طاعة الله صبر على الأوامر، والصبر عن معصيته صبر عن النواهي‏.‏ والكونية‏:‏ أقدار الله تعالى‏:‏ فيبصر على أقداره وقضائه‏.‏

وهذا معنى قول بعضهم الصبر ثلاثة أقسام‏:‏ صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة‏.‏

فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واصبر لحكم ربك‏}‏‏:‏ يتناول الأقسام الثلاثة‏:‏

1- الصبر على طاعة الله‏.‏

2- وعن معصية الله‏.‏

3- وعلى أقدار الله‏.‏

أي‏:‏ اصبر لحكم ربك الكوني والشعري‏.‏

وبهذا نعرف أن التقسيم الذي ذكره العلماء، وقالوا‏:‏ إن الصبر ثلاثة أقسام‏:‏ صبر على طاعة الله، وصبر عن مصية الله، وصبر على أقدار الله‏:‏ داخل في هذه الكلمة‏:‏ ‏{‏واصبر لحكم ربك‏}‏‏.‏

ووجه الدخول‏:‏ أن الحكم إما كوني وإما شرعي، والشرعي أوامر ونواه‏.‏ والنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله عز وجل بأوامر، ونهاه عن نواهي، وقدر عليه مقدورات‏:‏

فالأوامر مثل‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 67‏]‏، ‏{‏ادع إلى سبيل ربك‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 125‏]‏، وهذه أوامر عظيمة، يعني‏:‏ لو قيل لإنسان‏:‏ اعبد ربك، فإنه يتمكن من العبادة، لكن الدعوة والتبليغ أمر صعب، لأنه يتعب في معاناة الآخرين وجهادهم، فيكون صعباً‏.‏

وأما النواهي، فقد نهاه عن الشرك، قال‏:‏ ‏{‏ولا تكونن من المشركين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 14‏]‏، ‏{‏لئن أشركت ليحبطن عملك‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏‏.‏‏.‏‏.‏ وما أشبه ذلك‏.‏

وأما الأحكام القدرية‏:‏ فقد حصل عليه أذى من قومه، أذى قولي وأذى فعلي، لا يصبر عليه إلا أمثال الرسول عليه الصلاة والسلام‏.‏

آذوه بالقوة‏:‏ بالسخرية، والاستهزاء، والتهجين، وتنفير الناس عنه‏.‏

وأذوه بالفعل‏:‏ كان ساجداً تحت الكعبة في آمن بقعة من الأرض، ساجداً لربه، فذهبوا، وأتوا بسلى الناقة، ووضعوه على ظهره وهو ساجد (9)!‏‏!‏

ليس هناك أبلغ من هذه الأذية مع العلم بأنه لو يدخل كافر مشرك إلى الحرم، لكان عندهم آمناً، لا يؤذونه فيه، بل يكرمونه ويطعمونه النبيذ ويسقونه ماء زمزم‏!‏‏!‏ ومحمد عليه الصلاة والسلام سجداً لله يؤذونه هذا الأذى‏!‏‏!‏

كانوا يأتون بالعذرة والأنتان والأقذار يضعونه عند عتبة بابه‏!‏‏!‏

وخرج إلى أهل الطائف، وماذا صار‏؟‏‏!‏ صار الإيذاء العظيم، صف سفهاؤهم وغلمانهم على جانبي الطريق، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبه، فلم يفق إلا في فرن الثعالب (10).‏

* فصبر على حكم الله، ولكنه صبر مؤمن يؤمن بأن العاقبة له، لأن الله قال له‏:‏ ‏{‏واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ هذا الاعتناء والحفاوة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ أكرم شيء يكون به الإنسان أن تقول له‏:‏ أنت بعيني، أنت بقلبي‏.‏‏.‏‏.‏ وما أشبه ذلك‏.‏

أنت بعيني، معناه‏:‏ أنا ألاحظك بعيني‏.‏ وهذا تعبير معروف عند الناس، يكون تمام الحراسة والعناية والحفظ بمثل هذا التعبير‏:‏ أنت بعيني‏.‏

إذاً، قوله‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏، يعني‏:‏ فإنك محروس غاية الحراسة، محفوظ غاية الحفظ‏.‏

‏{‏بأعيننا‏}‏‏:‏ أعيننا معك، نحفظك، ونرعاك، ونعتني بك‏.‏

في الآية الكريمة إثبات العين لله عز وجل، لكنها جاءت بصيغة الجمع، لما سنذكر إن شاء الله تعالى‏.‏

العين من الصفات الذاتية الخبرية‏:‏ الذاتية‏:‏ لأنه لم يزل ولا يزال متصفاً بها، الخبرية‏:‏ لأن مسماها بالنسبة إلينا أجزاء وأبعاض‏.‏

فالعين منا بعض من الوجه، والوجه بعض من الجسم، لكنها بالنسبة لله لا يجوز أن نقول‏:‏ إنها بعض من الله، لأنه سبق أن هذا اللفظ لم يرد، وأنه يقتضي التجزئة في الخالق، وأن البعض أو الجزء هو الذي يجوز بقاء الكل بفقده، ويجوز أن يفقد، وصفات الله لا يجوز أن تفقد أبداً، بل هي باقية‏.‏

وقد دل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله عينين اثنتين فقط، حين وصف الدجال وقال‏:‏ ‏(‏إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور‏)‏ (11) ، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏أعور العين اليمنى‏)‏ (12).‏

وقد قال بعض الناس معنى ‏(‏أعور‏)‏، أي‏:‏ معيب، وليس من عور العين‏!‏‏!‏

وهذا لا شك أنه تحريف وتجاهل للفظ الصحيح الذي في البخاري وغيره‏:‏ ‏(‏أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية‏)‏ (13) وهذا واضح‏.‏

ولا يقال أيضاً‏:‏ ‏(‏أعور‏)‏ باللغة العربية، إلا لعور العين، أما إذا قيل‏:‏ ‏(‏عور‏)‏ أو ‏(‏عوار‏)‏، فربما يراد به مطلق العيب‏.‏

وهذا الحديث يدل على أن لله تعالى عينين اثنتين فقط‏.‏

ووجه الدلالة أنه لو كان لله أكثر من اثنتين، لكان البيان به أوضح من البيان بالعور، لأنه لو كان لله أكثر من عينين، لقال‏:‏ إن ربكم له أعين، لأنه إذا كان له أعين أكثر من ثنتين، صار وضوح أن الدجال ليس برب أبين‏.‏

وأيضاً‏:‏ لو كان الله عز وجل أكثر من عينين، لكان ذلك من كماله، وكان ترك ذكره تفويتاً للثناء على الله، لأن الكثرة تدل على القوة والكمال والتمام، فلو كان لله أكثر من عينين، لبينها الرسول عليه الصلاة والسلام، لئلا يفوتنا اعتقاد هذا الكمال، وهو الزائد على العينين الثنتين‏.‏

وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه ‏"‏الصواعق المرسلة‏"‏ حديثاً، لكنه ضعيف لانقطاعه، وهو‏:‏ ‏(‏إن العبد إذا قام في الصلاة قام بين عيني الرحمن‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ (14):‏ ‏"‏عيني‏"‏‏:‏ هذه تثنية، لكن الحديث ضعيف، واعتمادنا في عقيدتنا هذه على الحديث الصحيح، حديث الدجال، لأنه واضح لمن تأمله‏.‏

ولقد ذكر ذلك عثمان بن سعيد الدرامي رحمه الله في ‏"‏رده على بشر المريسي‏"‏، وكذلك أيضاً ذكره ابن خزيمة في ‏"‏كتاب التوحيد‏"‏، وذكر أيضاً إجماع السلف على ذلك أبو الحسن الأشعري رحمه الله وأبو بكر الباقلاني، والأمر في هذا واضح‏.‏

فعقيدتنا التي ندين لله بها‏:‏ أن لله تعالى عينين اثنتين، لا زيادة‏.‏

فإن قيل‏:‏ إن من السلف من فسر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏، بقوله‏:‏ بمرأى منا‏.‏ فسره بذلك أئمة سلفيون معروفون، وأنتم تقولون‏:‏ إن التحريف محرم وممتنع، فما الجواب‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنهم فسروها باللازم، مع إثبات الأصل، وهي العين، وأهل التحريف يقولون‏:‏ بمرأى منا، بدون إثبات العين، وأهل السنة والجماعة يقولون‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏‏:‏ بمرأى منا، ومع إثبات العين‏.‏

لكن ذكر العين هنا أشد توكيداً وعناية من ذكر مجرد الرؤية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏‏.‏

قالت المعطلة‏:‏ أجلبتم علينا بالخيل والرجل في إنكاركم علينا التأويل، وأنتم أولتم فأخرجتم الآية عن ظاهرها، فالله يقول‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏، فخذوا بالظاهر، وإذا أخذتم بالظاهر، كفرتم، وإذا لم تأخذوا بالظاهر، تناقضتم، فمرة تقولون‏:‏ يجوز التأويل، ومرة تقولون‏:‏ لا يجوز التأويل، وتسمونه تحريفاً، وهل هذا إلا تحكم بدين الله‏؟‏‍

قلنا‏:‏ نأخذ بالظاهر، وعلى العين والرأس، وهو طريقتنا، ولا نخالفه‏.‏

قالوا‏:‏ الظاهر من الآية أن محمد صلى الله عليه وسلم بعين الله، وسط العين، كما تقول‏:‏ زيد بالبيت‏.‏ زيد بالمسجد، فالباء للظرفية، فيكون زيد داخل البيت وداخل المسجد، فيكون قوله‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏، أي‏:‏ داخل أعيننا‍ وإذا قلتم بهذا كفرتم، لأنكم جعلتم الله محلاً للخلائق، فأنتم حلولية، وإن لم تقولوا به، تناقضتم‏؟‏‍

قلنا لهم‏:‏ معاذ الله ثم معاذ الله ثم معاذ الله أن يكون ما ذكرتموه ظاهر القرآن، وأنتم إن اعتقدتم أن هذا ظاهر القرآن، كفرتم، لأن من اعتقد أن ظاهر القرآن كفر وضلال، فهو كافر ضال‏.‏

فأنتم توبوا إلى الله من قولكم‏:‏ إن هذا هو ظاهر اللفظ‍ واسألوا جميع أهل اللغة من الشعراء والخطباء‏:‏ هل يقصدون بمثل هذه العبارة أن الإنسان المنظور إليه بالعين حال في جفن العين‏؟‏‍ اسألوا من شئتم من أهل اللغة أحياء وأمواتاً‍

فأنت إذا رأيت أساليب اللغة العربية، عرفت أن هذا المعنى الذي ذكروه وألزمونا به لا يرد في اللغة العربية، فضلاً عن أن يكون مضافاً إلى الرب عز وجل، فإضافته إلى الرب كفر منكر، وهو منكر لغة وشرعاً وعقلاً‏.‏

فإن قيل‏:‏ بماذا تفسرون الباء في قوله‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏‏؟‏

قلنا‏:‏ نفسرها بالمصاحبة، إذا قلت‏:‏ أنت بعين، يعني‏:‏ أن عيني تصحبك وتنظر إليك، لا تنفك عنك، فالمعنى‏:‏ أن الله عز وجل بقول لنبيه‏:‏ أصبر لحكم الله، فإنك محوظ بعنايتنا وبرؤيتنا لك بالعين حتى لا ينالك أحد بسوء‏.‏

ولا يمكن أن تكون الباء هنا للظرفية، لأنه يقتضي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عين الله، وهذا محال‏.‏

وأيضاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خوطب بذلك وهو في الأرض، فإذا قلتم‏:‏ إنه كان في عين الله كانت دلالة القرآن كذباً‏.‏

وهذا وجه آخر في بطلان دعوى أن ظاهر القرآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم في عين الله تعالى‏.‏

الآية الثانية‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودسر ‏(‏13‏)‏ تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 13-14‏]‏‏.‏

* ‏{‏وحملناه‏}‏‏:‏ الضمير يعود على نوح عليه الصلاة والسلام‏.‏

* وقوله‏:‏ ‏{‏وحملناه على ذات ألواح ودسر‏}‏‏:‏ أي‏:‏ على سفينة ذات ألواح ودسر، وهذه السفينة كان عليه الصلاة والسلام يصنعها، وكان يمر به قومه، فيسخرون منه، فيقول‏:‏ ‏{‏إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 38‏]‏‏.‏

صنعها بأمر الله ورعاية الله وعنايته، وقالب الله له‏:‏ ‏{‏واصنع الفلك بأعيننا ووحينا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 37‏]‏ فالله تعالى ينظر إليه وهو يصنع الفلك، ويلهمه كيف يصنعها‏.‏

* ووصفها الله هنا في قوله‏:‏ ‏{‏ذات ألواح ودسر‏}‏‏:‏ ‏{‏ذات‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ صاحبة‏.‏ والألواح‏:‏ الخشب‏.‏ والدسر‏:‏ مايربط به الخشب كالمسامير والحبال وما أشبه ذلك، وأكثر المفسرين على أن المراد بها المسامير التي تربط بها الأخشاب‏.‏

* ‏{‏تجري بأعيننا‏}‏‏:‏ هذا الشاهد‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏‏:‏ أي ذات الألواح والدسر بأعين الله عز وجل‏.‏ والمراد بالأعين هنا عينان فقط، كما مر ومعنى تجري بها، أي‏:‏ مصحوبة بنظرنا بأعيننا، فالباء هنا للمصاحبة، تجري على الماء الذي نزل من السماء ونبع من الأرض، لأن نوحاً عليه الصلاة والسلام دعا ربه ‏{‏أني مغلوب فانتصر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 10‏]‏، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ‏(‏11‏)‏ وفجرنا الأرض عيوناً‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 11-12‏]‏، فكانت هذه السفينة تجري بعين الله عز وجل‏.‏

قد يقول قائل‏:‏ لماذا لم يقل‏:‏ وحملناه على السفينة، أو‏:‏ حملناه على فلك، بل قال‏:‏ ‏{‏على ذات ألواح ودسر‏}‏ ‏؟‏

والجواب على هذا أن نقول‏:‏ عدل عن التعبير بالفلك والسفينة إلى التعبير بذات ألواح ودسر، ولوجوه ثلاثة‏:‏

الوجه الأول‏:‏ مرعاة للآيات وفواصلها، فلو قال‏:‏ حملنا على فلك، لم تتناسب هذه الآية مع ما بعدها ولا ما قبلها‏.‏ ولو قال‏:‏ على سفينة، كذلك، لكن من أجل تناسب الآيات في فواصلها وفي كلماتها قال‏:‏ ‏{‏على ذات ألواح ودسر‏}‏‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ من أجل أن يتعلم الناس كيف يصنعون السفن، وبيان أنها من الألواح والمسامير، ولهذا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد تركناها آية فهل من مدكر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 15‏]‏، فأبقى الله تعالى علمها آية للخلق يصنعون كما ألهم الله تعالى نوحاً‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ الإشارة إلى قوتها، حيث كانت من ألواح ودسر، والتنكير هنا للتعظيم‏.‏

وروعي التركيز على مادتها، ونظير ذلك في ذكر الوصف دون الموصوف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أن اعمل سابغات‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 11‏]‏ ولم يقل‏:‏ دروعاً، من أجل العناية بفائدة هذه الدروع، وهي أن تكون سابغة تامة، فهذه مثلها‏.‏

* وقوله‏:‏ ‏{‏تجري بأعيننا‏}‏، نقول فيها ما قلناه في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنك بأعيننا‏}‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏‏.‏

الآية الثالثة‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 39‏]‏‏.‏

* الخطاب لموسى عليه الصلاة والسلام‏.‏

* فقوله‏:‏ ‏{‏وألقيت عليك محبة مني‏}‏‏:‏ اختلف المفسرون في معناها‏:‏

فمنهم من قال‏:‏ ‏{‏وألقيت عليك محبة مني‏}‏، يعني‏:‏ أني أحببتك‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ ألقيت عليك محبة من الناس، والإلقاء من الله، أي أن‏:‏ من رآك أحبك، وشاهد هذا أن امرأة فرعون لما رأته أحبته وقالت‏:‏ ‏{‏لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 9‏]‏‏.‏

ولو قال قائل‏:‏ أيمكنكم أن تحملوا الآية على المعنيين‏؟‏ لقلنا‏:‏ نعم بناء على القاعدة، وهو أن الآية إذا كانت تحمل معنيين لا منافاة بينهما، فإنها تحمل عليهما جميعاً، فموسى عليه الصلاة والسلام محبوب من الله عز وجل، ومحبوب من الناس، إذا رآه الناس، أحبوه، والواقع أن المعنيين متلازمان، لأن الله تعالى إذا أحب عبداً، ألقى في قلوب العباد محبته‏.‏

ويروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ أحبه الله وحببه إلى خلقه‏.‏

* ثم قال‏:‏ ‏{‏ولتصنع على عيني‏}‏‏:‏ الصنع‏:‏ جعل الشيء على صفة معينة، كصنع صفائح الحديد قدوراً، وصنع الأخشاب أبواباً، وصنع شيء بحسبه، فصناعة البيت‏:‏ بناء البيت، وصناعة الحديد‏:‏ جعلها أواني مثلاً أو محركات، وصنع الآدمي‏:‏ معناه التربية البدنية والعقلية‏:‏ تربيته البدنية بالغذاء، وتربيته العقلية بالآداب والأخلاق وما أشبه ذلك‏.‏

وموسى على الصلاة والسلام حصل له ذلك، فإنه ربي على عين الله‏:‏

لما التقط آل فرعون، حماه الله عز وجل من قتلهم، مع أنهم كانوا يقتلون أبناء بني إسرائيل، فقضى الله تعالى أن هذا الذي تقتل الناس من أجله ستربى في أحضان آل فعون، فالناس يقتلون من أجله، وهو يتربى آمناً في أحضانهم‏.‏ وأنظر إلى هذه القدرة العظيمة‍‍

ومن تربية الله له عرض على المراضع ـ النساء اللاتي يرضعنه ـ، ولكنه ما رضع من أي واحدة‏:‏ ‏{‏وحرمنا عليه المراضع من قبل‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 12‏]‏، فما رضع من امرأة قط، وكانت أخته قد انتدبت من قبل أمه، فرأتهم، وقالت‏:‏ ‏{‏هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 12‏]‏، قالوا‏:‏ نعم، نحن نود هذا‏.‏ فقالت‏:‏ اتبعوني‏.‏ فتبعوها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 13‏]‏، ولم يرضع من امرأة قط، مع أنه رضيع لكن هذا من كمال قدرة الله وصدق وعده، لأن الله عز وجل قال لها‏:‏ ‏{‏فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 7‏]‏‏.‏

الأم شفقتها على ابنها لا أحد يتصورها، قيل لها‏:‏ اجعلي ابنك في صندوق، وألقيه في البحر، وسيأتي إليك‏.‏

لولا الإيمان الذي مع هذه المرأة، ما فعلت هذا الشيء تلقي ابنها في البحر لو أن ابنها سقط في تابوته في البحر، لجرته فكيف وهي التي تلقيه‏؟‏ لكن لثقتها بالرب عز وجل ووعده ألقته في اليم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولتصنع على عيني‏}‏، بالإفراد، هل ينافي ما سبق من ذكرها بالجمع‏؟‏‏!‏

الجواب‏:‏ لا تنافي، وذلك لأن المفرد المضاف يعم فيشمل كل ما ثبت لله من عين، وحينئذ لا منافاة بين المفرد وبين الجمع أو التثنية‏.‏

إذاً، يبقى النظر بين التثنية والجمع، فكيف نجمع بينهما‏؟‏‏!‏

الجواب أن نقول‏:‏ إن كان أقل الجمع اثنين، فلا منافاة، لأننا نقول‏:‏ هذا الجمع دال على اثنتين، فلا ينافيه‏.‏ وإن كان أقل الجمع ثلاثة، فإن هذا الجمع لا يراد به الثلاثة، وإنما يراد به التعظيم والتناسب بين ضمير الجمع وبين المضاف إليه‏.‏

وقد فسر أهل التحريف والتعطيل العين بالرؤية بدون عين، وقالوا‏:‏ ‏{‏بأعيننا‏}‏‏:‏ برؤية منا، ولكن لا عين، والعين لا يمكن أن تثبت لله عز وجل أبداً، لأن العين جزء من الجسم، فإذا أثبتنا العين لله، أثبتنا العين لله، أثبتنا تجزئة وجسماً، وهذا شيء ممتنع، فلا يجوز، ولكنه ذكر العين من باب تأكيد الرؤية، يعني‏:‏ كأنما نراك ولنا عين، والأمر ليس كذلك‏!‏‏!‏

فنقول لهم‏:‏ هذا القول خطأ من عدة أوجه‏:‏

الوجه الأول‏:‏ أنه مخالف لظاهر اللفظ‏.‏

الثاني‏:‏ أنه مخالف لإجماع السلف‏.‏

الثالث‏:‏ أنه لا دليل عليه، أي‏:‏ أن المراد بالعين مجرد الرؤية‏.‏

الرابع‏:‏ أننا إذا قلنا بأنها الرؤية، وأثبت الله لنفسه عيناً، فلازم ذلك أنه يرى بتك العين، وحينئذ يكون في الآية دليل على أنها عين حقيقية‏.‏