فصل: فَصْلٌ: فيمن تحرم عليه الصلاة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: كشاف القناع عن متن الإقناع



.(السَّادِسُ) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: غُسْلُ الْمَيِّتِ:

(غُسْلُ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ فِي قَمِيصٍ) لِمَا رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ، وَكَانَ شَائِعًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِخْلَالُ بِهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ غَالِبًا فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ وَ(لَا) يَنْقُضُ (تَيَمُّمُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (لِتَعَذُّرِ غُسْلٍ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ (وَغَاسِلُ الْمَيِّتِ: مَنْ يُقَلِّبَهُ وَيُبَاشِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ وَنَحْوَهُ) وَفُرِّقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، لِلْعُمُومِ.

.(السَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ):

لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» رَوَاه أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالْأَوَّلُ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَكَوْنِهِ (نِيئًا وَغَيْرَ نِيءٍ) وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْآكِلِ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ أَوْ جَاهِلًا لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْأَكْلِ، كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَارِدَ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِهَا، وَبَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ.
وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ الْمُقْتَرِنُ بِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ، خُصُوصًا وَقَدْ سُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا اللَّحْمِ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ فَلَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ لَكَانَ تَلْبِيسًا لَا جَوَابًا وَدَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ: عَدَمُ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِخِ وَوَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ (تَعَبُّدًا) لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ.
فَ (لَا) يَجِبْ الْوُضُوءُ ب (شُرْبِ) (لَبَنِهَا وَمَرَقِ لَحْمِهَا، وَأَكْلِ كَبِدِهَا، وَطِحَالِهَا وَسَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (وَجِلْدِهَا وَكِرْشِهَا وَنَحْوِهِ) كَمُصْرَانِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.
(وَلَا) يَنْقُضُ (طَعَامٌ مُحَرَّمٌ أَوْ نَجِسٌ) وَلَوْ كَلَحْمِ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي لَحْمِ الْإِبِلِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ وَمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ: فَقَالَ تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا» رَوَاه أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَنَحْوِهِ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ أُسَيْدٍ بِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ قَالَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَعَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَقَدْ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ قَالَ أَحْمَدُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ.

.(الثَّامِنُ) الْمُتَمِّمُ لِلنَّوَاقِضِ: مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ:

(مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ) أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا، وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ (وَجَبَ الْوُضُوءُ) وَ(كَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ فَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ كُلُّهَا (تُوجِبُ الْوُضُوءَ غَيْرَ الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ (فَهَذِهِ النَّوَاقِضُ) لِلْوُضُوءِ (الْمُشْتَرَكَةُ) بَيْنَ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ.
(وَأَمَّا) النَّوَاقِضُ (الْمَخْصُوصَةُ كَبُطْلَانِ) طَهَارَةِ (الْمَسْحِ) عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (بِفَرَاغِ مُدَّتِهِ) (وَخَلْعِ حَائِلِهِ) وَ(كَغَيْرِ ذَلِكَ) كَانْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ بِوُجُودِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ (فَمَذْكُورٌ فِي أَبْوَابِهِ) فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْحِ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الِاسْتِحَاضَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّيَمُّمِ يَأْتِي فِي بَابِهِ وَإِنَّمَا حَمَلْت قَوْلَهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ: عَلَى هَذَا لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي أَبْوَابِهِ.

.ما لا ينتقض الوضوء به:

(وَلَا نَقْضَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَنَحْوِهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَتَقَدَّمَ وَلَا نَقْضَ (بِإِزَالَةِ شَعْرٍ).
(وَ) أَخْذِ (ظُفْرٍ وَنَحْوِهِمَا) خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوْ مَسْحَهُ أَصْلِيٌّ، لَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (وَلَا) نَقْضَ (بِقَهْقَهَةٍ) وَلَوْ فِي صَلَاةٍ، وَهِيَ أَنْ يَضْحَكَ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ ضَحِكِهِ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَمَا رَوَى أُسَامَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ فَضَحِكْنَا مِنْهُ فَأَمَرَنَا بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا» فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَضَعَّفَهَا.
وَقَالَ إنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا.
(وَلَا) نَقْضَ بِأَكْلِ (مَا مَسَّتْهُ النَّارُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» رَوَاه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَأَكْلِ مَا مَسَّتْ النَّارُ.

.فصل: في الشك في الطهارة أو الحدث:

(وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأُولَى وَالْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيُرْجَعُ إلَى الْيَقِينِ.
(وَلَوْ عَارَضَهُ ظَنٌّ)؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: إنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْأُصُولِ: مَا أَذْعَنَتْ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ.
وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فِي تَسْمِيَةِ مَا هُنَا يَقِينًا بَعْدَ وُرُودِ الشَّكِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ نَعَمْ كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ الْآنَ شَكًّا فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ السَّابِقَةُ وَقُدِّمَتْ عَلَى صِفَتِهِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ السَّابِقِ، لِمَا قَارَنَهُ مِنْ الْيَقِينِ، وَتَقْدِيمًا لَهُ عَلَى الْوَصْفِ اللَّاحِقِ، لِنُزُولِهِ عَنْ دَرَجَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ،.
أَيْ: تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَرَّةً كَانَ مُتَطَهِّرًا وَمَرَّةً كَانَ مُحْدِثًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ اتِّصَافُهُ بِالطَّهَارَةِ سَابِقٌ عَلَى اتِّصَافِهِ بِالْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ (فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) إنْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْمِثَالِ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَ هَذَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مِنْهُ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ.
(فَإِنْ جَهِلَ قَبْلَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا (تَطَهَّرَ) وُجُوبًا، إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا، لِوُجُودِ يَقِينِ الْحَدَثِ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُخْرَى مَشْكُوكٌ فِيهِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَلَا يَرْتَفِعُ يَقِينُ الْحَدَثِ بِالشَّكِّ فِي رَافِعِهِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ الْوُضُوءُ (وَإِنْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا: رَفْعًا لِحَدَثٍ وَنَقْضًا لِطَهَارَةٍ) بِأَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا، فَعَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْأُولَى ثُمَّ تَوَضَّأَ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْأُولَى لِتَيَقُّنِ كَوْنِ طَهَارَتِهِ عَنْ حَدَثٍ وَنَقْضُ هَذَا الْوُضُوءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْيَقِينُ وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثَهُ قَبْلَهُمَا: فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي طَهَارَةً.
(وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: فِعْلَ الطَّهَارَةِ وَفِعْلَ الْحَدَثِ (وَعَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا سَقَطَ الْيَقِينُ لِتَعَارُضِهِ) وَكَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ (فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا) أَيْ: حَالَ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا كَالتَّجْدِيدِ، وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ حَدَثٍ آخَرَ أَوْ عَنْ طَهَارَةٍ.
(وَ) جَهِلَ (أَسْبَقَهُمَا) فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، (أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا) أَيْ: اتِّصَافَهُ بِالْحَدَثِ (وَفَعَلَ طَهَارَةً فَقَطْ) وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَ حَالَةَ طَهَارَةٍ وَفِعْلَ حَدَثٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَيَقَّنَهُ مِنْ حَالَتَيْ الْحَدَثِ أَوْ الطَّهَارَةِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّارِئُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ.
(وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثًا نَاقِضًا) لِطَهَارَةٍ (وَ) تَيَقَّنَ (فِعْلَ طَهَارَةٍ جَهِلَ حَالَهَا) مِنْ كَوْنِهَا رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا (فَمُحْدِثٌ، عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ) سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَهِّرًا قَبْلَهُمَا، أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جَهِلَ (قَبْلَهُمَا) لِتَيَقُّنِهِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهَا بَعْدَهُ (وَعَكْسُ هَذِهِ الصُّورَةِ) فِي التَّصْوِيرِ.
وَهُوَ مَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ: عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا (بِعَكْسِهَا) فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُطْلَقًا، لِتَيَقُّنِهِ وَرَفْعِ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهِ بَعْدَهَا (وَيَأْتِي إذَا سُمِعَ صَوْتٌ أَوْ شُمَّ رِيحٌ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ، فِي أَوَائِلِ بَابِ الْغُسْلِ.

.فَصْلٌ: فيمن تحرم عليه الصلاة:

(وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» رَوَاه مُسْلِمٌ وَهُوَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَالسُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالْقِيَامَ الْمُجَرَّدَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ (فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْحَدَثِ وَلَوْ عَالِمًا (لَمْ يَكْفُرْ) كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَ) حُرِّمَ عَلَيْهِ (الطَّوَافُ، وَلَوْ نَفْلًا) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إنَّ الطَّوَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَطَاءٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَاخْتَلَطَ فِي آخِر عُمْرِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ عَطَاءٌ رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى عَنْ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ (وَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مَعَ الْحَدَثِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْدِثِ (مَسُّ الْمُصْحَفِ) وَبَعْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ} أَيْ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَالْمُطَهَّرُونَ: الْمَلَائِكَةُ؛ لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ مَنْ طَهَّرَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ أُرِيدَ بَنُو آدَمَ لَقِيلَ الْمُتَطَهِّرُونَ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُمْ وَبَنُو آدَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» رَوَاه الْأَثْرَمُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلًا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ)؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ وَمَعَ الْحَائِلِ إنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لَهُ دُونَ الْمُصْحَفِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسُّ (بِغَيْرِ يَدِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَلَا يَخْتَصُّ الْمَسُّ بِالْيَدِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ (حَتَّى جِلْدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَحَوَاشِيهِ) وَالْوَرَقُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّصِلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ بِدَلِيلِ شُمُولِ الْبَيْعِ لَهُ.
(وَلَوْ كَانَ الْمَاسُّ) لِلْمُصْحَفِ (صَغِيرًا) فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّهِ (إلَّا بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) كَالْمُكَلَّفِ (وَلَوْ) كَانَتْ الطَّهَارَةُ (تَيَمُّمًا) مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ احْتَاجَهُ، فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ لِتَكْمِيلِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، ثُمَّ مَسَّهُ (سِوَى مَسِّ صَغِيرٍ لَوْحًا فِيهِ قُرْآنٌ) فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ اللَّوْحِ مِنْ الْمَحَلِّ الْخَالِي مِنْ الْكِتَابَةِ لِلْمَشَقَّةِ (وَلَا) يَجُوزُ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ مَسِّ الْمَحَلِّ (الْمَكْتُوبِ فِيهِ) الْقُرْآنُ مِنْ اللَّوْحِ بِلَا طَهَارَةٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَسِّ الْخَالِي وَ(مَا حَرُمَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (بِلَا وُضُوءٍ حَرُمَ بِلَا غُسْلٍ) بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا الْعَكْسِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَحْرُمُ بِلَا غُسْلٍ فَقَطْ (وَلِلْمُحْدِثِ حَمْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعِلَاقَتِهِ وَفِي غُلَافِهِ) أَيْ: كِيسِهِ.
(وَفِي خُرْجٍ فِيهِ مَتَاعٌ وَفِي كُمِّهِ) مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الْمَسِّ وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ (وَ) لَهُ (تَصَفُّحُهُ) أَيْ: تَصَفَّحُ الْمُصْحَفِ (بِكُمِّهِ أَوْ) بِ (عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ.
(وَ) لَهُ (مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (كَحَمْلِ رُقًى وَتَعَاوِيذَ فِيهَا قُرْآنٌ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وِفَاقًا وَهَلْ يَجُوزُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِمَ بِالْقُرْآنِ أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ؟ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فِيهِ وَجْهَانِ أَوْ رِوَايَتَانِ ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ قَالَ فِي النَّظْمِ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ.
(وَ) لَهُ (مَسُّ تَفْسِيرٍ وَرَسَائِلَ فِيهَا قُرْآنٌ) وَكَذَا كُتُبُ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهَا فِيهَا قُرْآنٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُصْحَفِ لَا يَتَنَاوَلُهَا وَظَاهِرُهُ قَلَّ التَّفْسِيرُ أَوْ كَثُرَ (وَ) لَهُ مَسُّ (مَنْسُوخِ تِلَاوَتِهِ) وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ «كَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا».
(وَ) لَهُ مَسُّ (الْمَأْثُورِ عَنْ اللَّهِ) تَعَالَى كَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ (وَ) لَهُ مَسُّ (التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ إنْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا.
(فَإِنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَطَهِّرًا قَبْلَ كَمَالِهَا (وَلَوْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَاعًى فَإِنْ أَكْمَلَهُ ارْتَفَعَ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَيَحْرُمُ مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ)؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَدَثِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا مَسُّ ذِكْرِ اللَّهِ بِنَجِسٍ وَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِعُضْوٍ طَاهِرٍ) إذَا كَانَ عَلَى (غَيْرِهِ نَجَاسَةٌ)؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يَتَعَدَّى وُجُوبُ غَسْلِهَا غَيْرَ مَحَلِّهَا وَالْحَدَثُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ لَمُحْدِثٍ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ)؛ لِأَنَّ النَّهْيَ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَسًّا (وَيُمْنَعُ) الذِّمِّيُّ (مِنْ قِرَاءَتِهِ)؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْجُنُبِ.
(وَ) يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ (تَمَلُّكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَيُمْنَعُ الْمُسْلِمُ مِنْ تَمْلِيكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (لَهُ) أَيْ: لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَدَيِّنٌ بِانْتِهَاكِهِ وَإِزَالَةِ حُرْمَتِهِ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى (فَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ: الْمُصْحَفَ كَافِرٌ (بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ مَا يَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْمُصْحَفَ.
(وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى نَسْخِهِ)؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ (وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ) وَلَوْ لِمُسْلِمٍ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبَيْعِ) مُوَضَّحًا وَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ اسْتِنْقَاذًا.
(وَ) يَحْرُمُ (تَوَسُّدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَالْوَزْنُ بِهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ (وَكَذَا كُتُب الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ قُرْآنٌ (كُرِهَ) تَوَسُّدُهَا وَالْوَزْنُ بِهَا وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا (وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا) سَرِقَةً (فَلَا بَأْسَ) أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ.
(وَلَا يُكْرَهُ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَ) لَا (شَكْلُهُ) بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ، صِيَانَةً عَنْ اللَّحْنِ فِيهِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ النَّقْطَ فَلِلْخَوْفِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِيهِ وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُحْدَثًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ كَنَظَائِرِهِ، مِثْلِ تَصْنِيفِ الْعِلْمِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
(وَ) لَا (كِتَابَةُ الْأَعْشَارِ فِيهِ وَأَسْمَاءُ السُّوَرِ وَعَدَدُ الْآيَاتِ وَالْأَحْزَابِ وَنَحْوِهَا) لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ.
(وَتَحْرُمُ مُخَالَفَةُ خَطِّ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي) رَسْمِ (وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَمَدِّ التَّاءِ وَرَبْطِهَا (نَصًّا) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ تَوْقِيفٌ كَمَا يَأْتِي.
(وَيُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إلَى جِهَتِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَفِي مَعْنَاهُ: اسْتِدْبَارُهُ وَتَخَطِّيهِ وَرَمْيِهِ إلَى الْأَرْضِ بِلَا وَضْعٍ وَلَا حَاجَةٍ بَلْ هُوَ بِمَسْأَلَةِ التَّوَسُّدِ أَشْبَهُ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قُلْت وَكَذَا كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَجَعْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ جُعِلَ لِلْقِرَاءَةِ هُنَاكَ) أَيْ: عِنْدَ الْقَبْرِ (وَرَمَى رَجُلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَغَضِبَ، وَقَالَ هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ) انْتَهَى، فَكَيْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ فِيهِ؟.
(وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (إلَى دَارِ الْحَرْبِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَلِأَنَّهُ عُرْضَةٌ إلَى اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَاسْتِهَانَتِهِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ.
(وَتُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ نَصًّا) لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ (وَيَحْرُمُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ) أَنْ تُحَلَّى (وَيُبَاحُ تَطْيِيبُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَجَعْلُهُ عَلَى كُرْسِيٍّ وَ) يُبَاحُ (كَسْيُهُ الْحَرِيرَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ قَدْرَ ذَلِكَ يَسِيرٌ.
(وَقَالَ) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاغُونِيُّ: (يَحْرُمُ كَتْبُهُ بِذَهَبٍ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ (وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ مَا يُتَمَوَّلُ زَكَّاهُ).
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُزَكِّيهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ (وَاسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِيهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (فَعَلَهُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ (وَلَمْ يَرَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ الطَّرْطُوسِيُّ الْمَالِكِيُّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُكْتَبَ الْقُرْآنُ وَ) أَنْ يُكْتَبَ (ذِكْرُ اللَّهِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ (أَوْ فِيهِ) أَيْ: فِي شَيْءٍ نَجِسٍ (فَإِنْ كُتِبَا) أَيْ: الْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ (بِهِ) أَيْ: بِالنَّجِسِ (أَوْ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ أَوْ تَنَجَّسَ وَجَبَ) عَلَيْهِ غَسْلُهُ ذَكَرَهُ فِي؛ الْفُنُونِ.
وَقَالَ فَقَدْ جَازَ (غَسْلُهُ) وَتَحْرِيقُهُ، لِنَوْعِ صِيَانَةٍ (وَقَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ: إنْ قُصِدَ بِكَتْبِهِ بِنَجِسٍ إهَانَتُهُ فَالْوَاجِبُ قَتْلُهُ انْتَهَى)،.
(وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنِ (فِي السُّتُورِ وَفِيمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلِهِ)، (وَلَا تُكْرَهُ كِتَابَةُ غَيْرِهِ مِنْ الذِّكْرِ فِيمَا لَمْ يُدَسْ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُدَاسُ (كُرِهَ) (شَدِيدًا وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ) أَيْ: الذِّكْرِ، فَالْقُرْآنُ أَوْلَى، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّي (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ)،.
(وَلَوْ بَلِيَ الْمُصْحَفُ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ نَصًّا) ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَدَفَنَهُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَرَقَتْهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمَّا جَمَعُوهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ذَلِكَ لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُد رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ دَفَنَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ وَقَالَ إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
(وَيُبَاحُ تَقْبِيلُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي.
(وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ) فِيهِ (وَفِي جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَفْعُهُ وَإِكْرَامُهُ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ التَّقَرُّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ عَنْ «الْحَجَرِ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك».
وَلَمَّا قَبَّلَ مُعَاوِيَةُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ إنَّمَا هِيَ السُّنَّةُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ الْخَبَرِ) الْمَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (لَا يُقَامُ لَهُ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ (.
وَقَالَ الشَّيْخُ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ) إجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ، وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ.
(وَيُبَاحُ كِتَابَةُ آيَتَيْنِ فَأَقَلَّ إلَى الْكُفَّارِ) لِحَاجَةِ التَّبْلِيغِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، قَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْرِكِينَ.
(وَقَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (بْنُ عَقِيلٍ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ) تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ (كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ آيَاتٌ إلَى الْكُفَّارِ) مُقْتَضِيَةٌ الدِّعَايَةَ، وَلَا يَجُوزُ فِي كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ.
(وَ) كـ (تَضْمِينِ الشِّعْرِ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ وَأَمَّا تَضْمِينُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ التَّحْرِيمُ) كَمَا يَحْرُمُ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ كَذَا) كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ الْكَهْفِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُحْصَى، وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ.
وَفِي السُّورَةِ لُغَتَانِ الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ وَالتَّرْكُ أَفْصَحُ (وَ) أَنْ يَقُولَ: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا) لِوُرُودِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَآدَابُ الْقِرَاءَةِ تَأْتِي فِي) فَصْلِ (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) مُفَصَّلَةً.