فصل: بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المبسوط



.بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ:

(قَالَ) رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَيَبْدَأُ إذَا وَافَى مِنًى بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ بِالذَّبْحِ إنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا ثُمَّ بِالْحَلْقِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنْ نَرْمِيَ ثُمَّ نَذْبَحَ ثُمَّ نَحْلِقَ»، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ وَالْحَلْقَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَحَلُّلَ الْمُحْصَرِ بِالذَّبْحِ فَيُقَدَّمُ الرَّمْيُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ الذَّبْحُ فِي مَعْنَى التَّحَلُّلِ دُونَ الْحَلْقِ فَإِنَّ الْحَلْقَ مَحْظُورُ الْإِحْرَامِ وَالذَّبْحُ لَا، فَكَانَ الذَّبْحُ مُقَدَّمًا عَلَى الْحَلْقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَكَذَلِكَ يَخْتَلِفُونَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ؛ نَفَى ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقْتَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ رَمَى بِاللَّيْلِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقْتُهُ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ يَكُونُ قَضَاءً وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قَوْلَانِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا يَرْمِي ذَلِكَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَرَبَتْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ فِي هَذَا الرَّمْيِ، وَمَا عُرِفَ الرَّمْيُ قُرْبَةً إلَّا بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَيَتَحَقَّقُ فَوَاتُهُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُ يَمْتَدُّ وَقْتُهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَ مِنْ الرَّمْيِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ كُلَّهُ فِي حُكْمِ نُسُكٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ مَكَانُهُ وَزَمَانُهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْفَوَاتُ فِيهِ إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَذَلِكَ بِمُضِيِّ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَاسَ بِالتَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَقْضِيهَا بِالتَّكْبِيرَاتِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالنَّصِّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ»، وَذَهَابُ تَمَامِ الْيَوْمِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقِيسُ الرَّمْيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَيَقُولُ كَمَا أَنَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَقْتَ الرَّمْيِ نِصْفُ الْيَوْمِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَكَذَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَقْتُ الرَّمْيِ نِصْفُ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّهُ رَمَى بِاللَّيْلِ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلًا»، وَلِأَنَّ الْيَوْمَ لَمَّا كَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ فَاللَّيْلُ يَتْبَعُهُ فِي ذَلِكَ كَلَيْلَةِ النَّحْرِ تُجْعَلُ تَبَعًا لِيَوْمِ عَرَفَةَ فِي حُكْمِ الْوُقُوفِ فَإِنْ لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ الْغَدِ رَمَاهَا لِبَقَاءِ وَقْتِ جِنْسِ الرَّمْيِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا بَيَّنَّا فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُنَا جَعَلَ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ عَنْ وَقْتِهِ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِهِ، وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ نُسُكٌ تَامٌّ فَكَمَا أَنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ الدَّمَ فَكَذَلِكَ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ، وَكَذَلِكَ إنَّ تَرْكَ الْأَكْثَرِ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الْكُلِّ، وَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إلَى الْغَدِ رَمَاهَا، وَتَصَدَّقَ لِكُلِّ حَصَاةٍ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى مِسْكِينٍ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ دَمًا فَحِينَئِذٍ يُنْقِصُ مِنْهُ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ أَقَلُّ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي تَأْخِيرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَإِنْ تَرَكَ رَمْيَ إحْدَى الْجِمَارِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي نُسُكٌ وَاحِدٌ فَإِذَا تَرَكَ أَحَدَهَا كَانَ الْمَتْرُوكُ أَقَلَّ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ إلَّا أَنَّ الْمَتْرُوكَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَجُعِلَ تَرْكُ الْأَكْثَرِ كَتَرْكِ الْكُلِّ (قَالَ) وَإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ كُلَّهُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ رَمَاهَا عَلَى التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ بَاقٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَدَارَكَ الْمَتْرُوكَ مَا بَقِيَ وَقْتُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ إذَا أَخَّرَهَا إلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمَا فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ سَقَطَ عَنْهُ الرَّمْيُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهُ قُرْبَةً بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ إنَّمَا رَمَى فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَلَا يَكُونُ الرَّمْيُ قُرْبَةً بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِهَا كَمَا لَا يَكُونُ إرَاقَةُ الدَّمِ قُرْبَةً بَعْدَ مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً كَانَ عَبَثًا فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ كُلَّهُ نُسُكٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ فَتَرْكُهُ يُوجِبُ الْجَبْرَ بِالدَّمِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا فِي تَرْكِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْبَعْضِ مُوجِبًا لِلدَّمِ ثُمَّ لَا يَجِبُ بِتَرْكِ الْكُلِّ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا أَنَّ حَلْقَ رُبُعِ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ يُوجِبُ الدَّمَ ثُمَّ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لَا يُوجِبُ إلَّا دَمًا وَاحِدًا، وَقَصُّ أَظْفَارِ يَدٍ وَاحِدَةٍ يُوجِبُ الدَّمَ ثُمَّ قَصُّ الْأَظْفَارِ كُلِّهَا لَا يُوجِبُ إلَّا دَمًا وَاحِدًا (قَالَ) وَإِنْ بَدَأَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهَا ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِاَلَّتِي تَلِي الْمَسْجِدَ ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهِ قَالَ يُعِيدُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ شُرِعَ مُرَتَّبًا فِي هَذَا الْيَوْمِ فَمَا سَبَقَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهِ فَكَانَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ الِافْتِتَاحِ لِلْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، وَالْوُسْطَى بِمَنْزِلَةِ الِافْتِتَاحِ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَمَا أَدَّى قَبْلَ وُجُودِ مِفْتَاحِهِ لَا يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ كَمَنْ سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَالْمُعْتَدُّ مِنْ رَمْيِهِ هُنَا الْجَمْرَةُ الْأُولَى فَلِهَذَا يُعِيدُ عَلَى الْوُسْطَى، وَعَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (قَالَ) وَإِنْ رَمَى مِنْ كُلِّ جَمْرَةٍ ثَلَاثَ حَصَيَاتٍ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ الْأُولَى بِأَرْبَعِ حَصَيَاتٍ لِيُتِمَّهَا ثُمَّ يُعِيدَ عَلَى الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِمَا رَمَى مِنْ الْوُسْطَى وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَقَ أَوَانَهُ فَإِنَّهُ حَصَلَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرِ الرَّمْيِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ مِنْهَا شَيْئًا.
(قَالَ) وَإِنْ رَمَى مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِأَرْبَعٍ أَرْبَعٍ فَإِنَّهُ يَرْمِي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بِثَلَاثِ حَصَيَاتٍ؛ لِأَنَّ رَمْيَ أَكْثَرِ الْجَمْرَةِ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ كَمَالِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى كَمَا أَنَّ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ كَكَمَالِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالسَّعْيِ بَعْدَهُ، وَإِذَا كَانَ مَا رَمَى مِنْ كُلِّ جَمْرَةٍ مُعْتَدًّا بِهِ فَعَلَيْهِ إكْمَالُ رَمْيِ كُلِّ جَمْرَةٍ بِثَلَاثِ حَصَيَاتٍ فَإِنْ اسْتَقْبَلَ رَمْيَهَا فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ فِعْلِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ مَا اشْتَغَلَ بِالثَّانِيَةِ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ الْأُولَى (قَالَ) وَإِنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَوْقَ الْعَقَبَةِ أَجْزَأَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَرْمِيَهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلَكِنْ مَا حَوْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كُلِّهِ مَوْضِعُ الرَّمْيِ فَإِذَا رَمَاهَا مِنْ فَوْقِ الْعَقَبَةِ فَقَدْ أَقَامَ النُّسُكَ فِي مَوْضِعِهِ فَجَازَ.
(قَالَ) وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ جَعَلَ مَكَانَ التَّكْبِيرَاتِ تَسْبِيحًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّسْبِيحِ كَمَا يَحْصُلُ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ هُوَ مِنْ آدَابِ الرَّمْيِ فَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا (قَالَ) وَإِنْ رَمَاهَا بِحِجَارَةٍ أَوْ بِطِينٍ يَابِسٍ جَازَ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْحَجَرِ اتِّبَاعًا لِمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ فَإِنَّ فِيمَا لَا يُعْقَلُ الْمَعْنَى فِيهِ إنَّمَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِعَيْنِ الْمَنْصُوصِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِعْلُ الرَّمْيِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالطِّينِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحَجَرِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْحَجَرِ بِعَيْنِهِ مَقْصُودٌ إنَّمَا مَقْصُودُهُ فِعْلُ الرَّمْيِ إمَّا لِإِعَادَةِ الْكَبْشِ أَوْ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الرُّوَاةُ فَقُلْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ فِعْلُ الرَّمْيِ أَجْزَأَهُ بِمَنْزِلَةِ أَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ فَكَمَا يَحْصُلُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ يَحْصُلُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالطِّينِ وَغَيْرِهِ، وَبَعْضُ الْمُتَشَفِّعَةِ يَقُولُونَ: إنْ رَمَى بِالْبَعْرَةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ رَمَى بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إهَانَةُ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْبَعْرِ دُونَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ، وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا، وَلَكِنْ نَقُولُ الرَّمْيُ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ يُسَمَّى فِي النَّاسِ نِثَارًا لَا رَمْيًا، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الرَّمْيُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى بِهِ رَامِيًا (قَالَ) فَإِنْ رَمَى إحْدَى الْجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ جُمْلَةً فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ تَفَرُّقُ الْأَعْمَالِ لَا عَيْنُ الْحَصَيَاتِ فَإِذَا أَتَى بِفِعْلٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ كَفَّارَةَ الْيَمَنِ مِسْكِينًا وَاحِدًا مَكَانَ إطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ جُمْلَةً لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ إطْعَامِ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ (قَالَ) وَإِنْ رَمَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ لَمْ تَضُرَّهُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
(قَالَ) وَإِنْ نَقَصَ حَصَاةٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيَّتُهُنَّ نَقَصَهَا أَعَادَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ حَصَاةً وَاحِدَةً أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيُّهَا تَرَكَ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (قَالَ) وَإِنْ قَامَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَوَضَعَ الْحَصَاةَ عِنْدَهَا وَضْعًا لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الرَّمْيِ، وَالْوَاضِعُ غَيْرُ رَامٍ، وَإِنْ طَرَحَهَا طَرْحًا أَجْزَأَهُ، وَقَدْ أَسَاءَ؛ لِأَنَّ الطَّارِحَ رَامٍ إلَّا أَنَّ الرَّمْيَ تَارَةً يَكُونُ أَمَامَهُ وَتَارَةً يَكُونُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ بِالطَّرْحِ، وَلَكِنَّهُ مُسِيءٌ لِمُخَالَفَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصْفًا (قَالَ) فَإِنْ رَمَاهَا مِنْ بَعِيدٍ فَلَمْ تَقَعْ الْحَصَاةُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ فَإِنْ وَقَعَتْ قَرِيبًا مِنْهَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى التَّحَرُّزُ عَنْهُ خُصُوصًا عِنْدَ كَثْرَةِ الزِّحَامِ، وَإِنْ وَقَعَتْ بَعِيدًا مِنْهَا لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ قُرْبَةٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَفِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَكُونُ قُرْبَةً (قَالَ) وَإِنْ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ أَخَذَهَا مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ أَجْزَأَهُ وَقَدْ أَسَاءَ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَ الْجَمْرَةِ مِنْ الْحَصَى مَرْدُودٌ فَيَتَشَاءَمُ بِهِ، وَلَا يَتَبَرَّكُ بِهِ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا بَالُ الْجِمَارِ تُرْمَى مِنْ وَقْتِ الْخَلِيلِ صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَصِرْ هِضَابًا تَسُدُّ الْأُفُقَ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ يُقْبَلُ حَجُّهُ رُفِعَ حَصَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُقْبَلْ حَجُّهُ تُرِكَ حَصَاهُ حَتَّى قَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا سَمِعْتُ هَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلْتُ عَلَى حَصَيَاتِي عَلَامَةً ثُمَّ تَوَسَّطْتُ الْجَمْرَةَ فَرَمَيْت مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثُمَّ طَلَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ شَيْئًا مِنْ الْحَصَى فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ مَا بَقِيَ فِي مَوْضِعِ الرَّمْيِ مَرْدُودٌ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يُجْزِئُهُ لِوُجُودِ فِعْلِ الرَّمْيِ وَمَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لَا يُجْزِئُهُ، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ التَّوَضُّؤَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلَا يُجَوِّزُ الرَّمْيَ بِمَا قَدْ رُمِيَ بِهِ مِنْ الْأَحْجَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الرَّمْيِ لَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الْحِجَارَةِ.
(قَالَ) فَإِنْ لَمْ يَقُمْ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يَقُومُ النَّاسُ عِنْدَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ سُنَّةٌ فَتَرْكُهُ لَا يُوجِبُ إلَّا الْإِسَاءَةَ (قَالَ) وَإِنْ كَانَ أَقَامَ أَيَّامَ مِنًى بِمَكَّةَ غَيْرَ أَنَّهُ يَأْتِي مِنًى فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيَرْمِي الْجِمَارَ فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا تَرَكَ إلَّا السُّنَّةَ، وَهِيَ الْبَيْتُوتَةُ بِمِنًى فِي لَيَالِي الرَّمْيِ، وَقَدْ بَيَّنَّا «أَنَّ الْعَبَّاسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ فَأَذِنَ لَهُ» فَقِيلَ إنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (قَالَ) فَإِنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ قَالَ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَجْعَلُ مِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَالْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْمِيَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ رَمَاهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَالِ عُرِفَ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُجْزِئُهُ قَبْلَهُ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُنْتَقَى أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقْتُ الرَّمْيِ حَتَّى لَوْ رَمَى أَجْزَأَهُ.
(قَالَ) وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ أَنْ يَتَعَجَّلَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَإِنْ رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ لَا يُجْزِئُهُ الرَّمْيُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ قَصْدِهِ التَّعْجِيلُ فَرُبَّمَا يَلْحَقُهُ بَعْضُ الْحَرَجِ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ بِأَنْ لَا يَصِلَ إلَى مَكَّةَ إلَّا بِاللَّيْلِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَرْمِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ لِيَصِلَ إلَى مَكَّةَ بِالنَّهَارِ فَيَرَى مَوْضِعَ نُزُولِهِ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَفْضَلُ مَا هُوَ الْعَزِيمَةُ، وَهُوَ الرَّمْيُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ هَذَا الْيَوْمُ نَظِيرُ الْيَوْمِ الثَّانِي فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى فِيهِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا يُجْزِئُهُ الرَّمْيُ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ.
(قَالَ) فَإِنْ رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يُخَيَّرُ بَيْنَ النَّفْرِ، وَبَيْنَ الْمُقَامِ إلَى أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ}، وَخِيَارُهُ هَذَا يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْخِيَارُ فِي الْيَوْمِ، وَامْتِدَادُ الْيَوْمِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ اللَّيْلُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِرَمْيِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَيَكُونُ خِيَارُهُ فِي النَّفْرِ بَاقِيًا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ وَقْتُ الرَّمْيِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَبْقَى خِيَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّيَالِيَ هُنَا تَابِعَةٌ لِلْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ فَكَمَا كَانَ خِيَارُهُ ثَابِتًا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَكَذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ.
(قَالَ) وَإِنْ صَبَرَ إلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ اسْتِحْسَانًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا يُجْزِئُهُ بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ تُرْمَى فِيهِ الْجِمَارُ الثَّلَاثُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ بِخِلَافِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إذَا انْتَفَحَ النَّهَارُ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَارْمُوا يُقَالُ انْتَفَحَ النَّهَارُ إذَا عَلَا، وَاعْتُبِرَ آخِرُ الْأَيَّامِ بِأَوَّلِ الْأَيَّامِ فَكَمَا يَجُوزُ الرَّمْيُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَكَذَا فِي الْيَوْمِ الْآخَرِ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ يَجُوزُ تَرْكُهُ أَصْلًا فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُشْبِهُ النَّوَافِلَ، وَالتَّوْقِيتُ فِي النَّفْلِ لَا يَكُونُ عَزِيمَةً فَلِهَذَا جُوِّزَ الرَّمْيُ فِيهِ قَبْلَ الزَّوَالِ لِيَصِلَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ اللَّيْلِ (قَالَ) وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَاةِ الْخَذْفِ هَكَذَا «عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عِنْدَ الْأُخْرَى فَرَمَى بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، وَقَالَ هَكَذَا فَارْمُوا»، وَإِنْ رَمَى بِأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ الْكِبَارَ مِنْ الْأَحْجَارِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُصِيبُ أَحَدًا فَيَتَأَذَّى بِهِ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَلْبَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ»
(قَالَ) وَلَيْسَ فِي الْقِيَامِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّوْقِيتَ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَهُمَا حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ لِلْحَدِيثِ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ، وَفِي الْمَقَامَيْنِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ»
(قَالَ) وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ سَوَاءٌ كَمَا فِي سَائِر الْمَنَاسِكِ، وَإِنْ رَمَاهَا رَاكِبًا أَجْزَأَهَا لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى الْجِمَارَ رَاكِبًا»، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ (قَالَ) وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ رَمْيَ الْجِمَارِ يُوضَعُ الْحَصَى فِي كَفِّهِ حَتَّى يَرْمِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا يَعْجِزُ عَنْهُ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ رُمِيَ عَنْهُ أَجْزَأَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّ النِّيَابَةَ تَجْرِي فِي النُّسُكِ كَمَا فِي الذَّبْحِ (قَالَ) وَالصَّبِيُّ الَّذِي يَحُجُّ بِهِ أَبُوهُ يَقْضِي الْمَنَاسِكَ وَيَرْمِي الْجِمَارَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ لِلتَّخَلُّقِ حَتَّى يَتَيَسَّرَ لَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيُؤْمَرَ بِهِ بِمِثْلِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الْبَالِغُ، وَإِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ يُحْرِمُ عَنْهُ أَبُوهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا لِلتَّخَلُّقِ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا إذْ لَيْسَ لِلْأَبِ عَلَيْهِمَا وِلَايَةُ الْإِيجَابِ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُمَا فِيهِ عَاجِلًا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِ الرَّمْيِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْكَفَّارَاتِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ عِنْدَنَا، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الرَّمْيِ هَكَذَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا مِنْ هَوْدَجِهَا إلَيْهِ فَقَالَتْ أَلِهَذَا حَجٌّ فَقَالَ نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرُهُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

.بَابُ الْحَلْقِ:

(قَالَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «الْحَلْقُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ» لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ قَضَاءُ التَّفَثِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ}، وَهُوَ فِي الْحَلْقِ أَتَمُّ وَالتَّقْصِيرُ فِيهِ بَعْضُ الْحَلْقِ فَلِهَذَا كَانَ الْحَلْقُ أَفْضَلَ، وَالتَّقْصِيرُ يُجْزِي وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ، وَرَوَاهُ فِي الْكِتَابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ كَمْ تُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ مِثْلَ هَذِهِ يَعْنِي مِثْلَ الْأُنْمُلَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الشَّعْرِ إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ كَانَ يُتِمُّ تَحَلُّلَهُ بِأَخْذِهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الشَّعْرِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ يُتِمُّ تَحَلُّلَهُ بِأَخْذِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَالتَّقْصِيرُ، قَائِمٌ مَقَامَ الْحَلْقِ فِي حُكْمِ التَّحَلُّلِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَلَقَ نِصْفَ رَأْسِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ، وَكَانَ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ فَكَذَلِكَ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فَالرُّبُعُ مِنْهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْكَمَالِ كَالْمَسْحِ بِالرَّأْسِ، وَلَكِنَّهُ مُسِيءٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَأُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ» فَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى مُوَافَقَةِ فِعْلِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ هَذَا ضِنَةً مِنْهُ بِشَعْرِهِ، وَفِيمَا هُوَ نُسُكٌ تُكْرَهُ الضِّنَةُ فِيهِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ فَكَيْفَ بِالشَّعْرِ (قَالَ) وَإِذَا جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ أَجْرَى الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ تَشَبُّهًا بِمَنْ يَحْلِقُ؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ، وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخْرَسَ يُؤْمَرُ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَيَنْزِلُ ذَلِكَ مِنْهُ مَنْزِلَةَ قِرَاءَةِ النَّاطِقِ فَهَذَا مِثْلُهُ (قَالَ) وَإِنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِالنُّورَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ التَّفَثِ فِيهِ يَحْصُلُ، وَالْمُوسَى أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ) وَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَلْقَ حَتَّى تَذْهَبَ أَيَّامُ النَّحْرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَلْقُ لِلتَّحَلُّلِ فِي الْحَجِّ مُؤَقَّتٌ بِالزَّمَانِ، وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ، وَبِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ، وَلَا بِالْمَكَانِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَقَّتُ بِالْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَعِنْدَ زُفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ فَزُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ التَّحَلُّلُ عَنْ الْإِحْرَامِ مُعْتَبَرٌ بِابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، وَابْتِدَاءُ الْإِحْرَامِ مُؤَقَّتٌ بِالزَّمَانِ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالْمَكَانِ حَتَّى يُكْرَهَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمِيقَاتِ فَكَذَلِكَ التَّحَلُّلُ عَنْهُ بِالْحَلْقِ يَتَوَقَّتُ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ دُونَ الْمَكَانِ حَتَّى إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ حَلَقَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ مَا كَانَ لِلتَّحَلُّلِ فِي الْحَجِّ يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ جَمِيعًا كَالطَّوَافِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَيَتَوَقَّتُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الطَّوَافَ عَنْ وَقْتِهِ يَلْزَمُهُ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَكَذَلِكَ إذَا أَخَّرَ الْحَلْقَ عَنْ وَقْتِهِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِحَلْقِهِ خَارِجَ الْحَرَمِ كَمَا لَا يَعْتَدُّ بِطَوَافِهِ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ مُعْتَدًّا بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ فِعْلِهِ الرَّأْسُ دُونَ الْحَرَمِ فَيَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ، وَلَكِنَّهُ جَانٍ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَكَانِهِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْمَكَانِ كَمَا يَلْزَمُهُ عَنْ وَقْتِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَلْقَ لَا يُعْقَلُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ، وَإِنَّمَا عَرَفْنَاهُ قُرْبَةً بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَا حُلِقَ لِلْحَجِّ إلَّا فِي الْحَرَمِ يَوْمَ النَّحْرِ فَمَا وُجِدَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ قُرْبَةً، وَمَا خَالَفَ هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَيَلْزَمُهُ الْجَبْرُ فِيهِ بِالدَّمِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَلْقُ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ فِي أَوَانِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَلْقِ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ قَبْلَ أَوَانِهِ فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، وَلَا مَكَان فَكَذَلِكَ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان؛ لِأَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدًّا بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَسَوَاءٌ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ فَحَلَقَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ تَعَلُّقُ الْمَنَاسِكِ بِالْمَكَانِ آكَدُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالزَّمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّوَافَ الْمُخْتَصَّ بِمَكَانٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالْمُؤَقَّتُ مِنْ الطَّوَافِ بِزَمَانٍ يَكُونُ مُعْتَدًّا بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالْمَكَانِ أَشَدُّ فَالْحَلْقُ الَّذِي هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَى بِهِ خَارِجَ الْحَرَمِ يَتَمَكَّنُ فِيهِ النُّقْصَانُ فَيَلْزَمُهُ الْجَبْرُ بِالدَّمِ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ كَثِيرُ نُقْصَانٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الْجَبْرُ بِالدَّمِ فَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَلَا يَتَوَقَّتُ الْحَلْقُ بِزَمَانٍ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ الْحَلْقَ فِيهِ شَهْرًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ لَا يَتَوَقَّتُ بِالزَّمَانِ، وَمَا هُوَ الرُّكْنُ، وَهُوَ الطَّوَافُ فِيهِ أَيْضًا لَا يَتَوَقَّتُ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ فَكَذَلِكَ الْحَلْقُ فِيهِ لَا يَتَوَقَّتُ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِالْحَرَمِ حَتَّى لَوْ حَلَقَ لِلْعُمْرَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْحَجِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَالَ) وَلَيْسَ عَلَى الْمُحْصَرِ حَلْقٌ إذَا حَلَّ وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ فَحَسَنٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَرَى عَلَيْهِ الْحَلْقَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَدِيثِ «فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ بَعْدَ بُلُوغِ الْهَدَايَا مَحَلَّهَا، وَكَرِهَ لَهُمْ تَأْخِيرَ ذَلِكَ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ فِي نَفْسِك رَجَاءَ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ لِلْحَالِ فَحَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ بَادَرُوا إلَى الْحَلْقِ»، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْصَرْ لَكَانَ يَتَحَلَّلُ بِالْحَلْقِ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْصَارِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْحَلْقِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا الْحَلْقُ إنَّمَا يَكُونُ نُسُكًا بَعْدَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ فَأَمَّا قَبْلَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ فَهُوَ جِنَايَةٌ فَإِذَا تَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ تَرْتِيبِ الْحَلْقِ عَلَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَإِنَّمَا تَحَلُّلُهُ بِالْهَدْيِ هُنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُحْصَرَ عَنْ الْحَلْقِ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فَذَلِكَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ بُلُوغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ لَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ فَأَمَّا حَلْقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا لَا يَحْلِقُ الْمُحْصَرُ إذَا أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ أَمَّا إذَا أُحْصِرَ فِي الْحَرَمِ يَحْلِقُ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ عِنْدَهُمَا مُؤَقَّتٌ بِالْحَرَمِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ مُحْصَرًا بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَبَعْضُ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ مَضَارِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ فِي الْحِلِّ، وَمُصَلَّاهُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا حَلَقَ فِي الْحَرَمِ، وَبِهِ نَقُولُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ لِيُحَقِّقَ بِهِ عَزْمَهُمْ عَلَى الِانْصِرَافِ، وَيَأْمَنَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ جَانِبِهِمْ، وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِمَكِيدَةٍ أُخْرَى بَعْدَ الصُّلْحِ (قَالَ) وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ إذَا قَصَّرَ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ شَارِبِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ أَوْ يَتَنَوَّرَ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَلْقِ، وَلَوْ أَرَادَ الْحَلْقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي لِحْيَتِهِ، وَلَا فِي شَارِبِهِ فَكَذَلِكَ التَّقْصِيرُ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ أَوَانُ التَّحَلُّلِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ قَضَاءِ التَّفَثِ (قَالَ) وَإِنْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ إزَالَةِ مَا يَنْمُو مِنْ الْبَدَنِ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِحَلْقِ رَأْسِ الْحَلَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ حَلَقَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ إزَالَةَ مَا يَنْمُو مِنْ بَدَنِ الْآدَمِيِّ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَيَكُونُ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعًا عَنْ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ كَمَا يَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ فِي نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ جَانٍ فِي قَتْلِ صَيْدِ غَيْرِهِ كَمَا يَكُونُ جَانِيًا فِي قَتْلِ صَيْدِ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ كَمَالَ جِنَايَتِهِ بِانْضِمَامِ مَعْنَى الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ إلَى فِعْلِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ تَكَامَلَتْ جِنَايَتُهُ فَلَزِمَهُ الدَّمُ، وَإِذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِهِ لَا تَتَكَامَلُ جِنَايَتُهُ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ (قَالَ) وَإِذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ مُحْرِمٍ آخَرَ فَإِنْ فَعَلَهُ بِأَمْرِهِ فَعَلَى الْمَحْلُوقِ دَمٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ، وَمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ لَهُ مُتَحَقِّقٌ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَلَى الْحَالِقِ رَأْسَهُ صَدَقَةٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ جَانٍ فِي أَصْلِ فِعْلِهِ، وَإِنْ حَلَقَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَنْ كَانَ الْمُحْرِمُ نَائِمًا فَجَاءَ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ دَمٌ عِنْدَنَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُخْرِجُ الْمُكْرَهَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِحُكْمِ الْفِعْلِ، وَالنَّوْمُ أَبْلَغُ مِنْ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُفْسِدُ قَصْدَهُ، وَبِالنَّوْمِ يَنْعَدِمُ الْقَصْدُ أَصْلًا، وَعِنْدَنَا بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ يَنْتَفِي عَنْهُ الْإِثْمُ، وَلَكِنْ لَا يَنْتَفِي حُكْمُ الْفِعْلِ إذَا تَقَرَّرَ سَبَبُهُ، وَالسَّبَبُ هُنَا مَا نَالَ مِنْ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ بِإِزَالَةِ التَّفَثِ عَنْ بَدَنِهِ، وَذَلِكَ حَصَلَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ.
وَلَا يَتَخَيَّرُ هُنَا بَيْنَ أَجْنَاسِ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْعُذْرُ سَمَاوِيٌّ وُجِدَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ، وَهُنَا الْعُذْرُ بِسَبَبٍ وُجِدَ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فَيُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الذَّنْبِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ الدَّمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمَحْلُوقُ رَأْسُهُ بِهَذَا الدَّمِ عَلَى الْحَالِقِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَرْجِعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ، وَأَلْزَمَهُ هَذَا الْغُرْمَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا لَزِمَهُ ذَلِكَ لِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَا يَرْجِعُ الْمَغْرُورُ بِالْعُقْرِ؛ لِأَنَّهُ بِمُقَابَلَةِ اللَّذَّةِ الْحَاصِلَةِ لَهُ بِالْوَطْءِ وَالْجَوَابُ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ هُنَا كَالْجَوَابِ فِي الْحَلْقِ (قَالَ) وَإِذَا أَخَذَ الْمُحْرِمُ مِنْ شَارِبِهِ أَوْ مِنْ رَأْسِهِ شَيْئًا أَوْ مَنْ مَسَّ مِنْ لِحْيَتِهِ فَانْتَثَرَ مِنْهَا شَعْرٌ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَدَقَةٌ لِوُجُودِ أَصْلِ الْجِنَايَةِ بِمَا أَزَالَهُ مِنْ بَدَنِهِ، وَلَكِنْ لَمْ تَتِمَّ جِنَايَتُهُ حِينَ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِتَحْصِيلِ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ (قَالَ) وَإِنْ أَخَذَ ثُلُثَ رَأْسِهِ أَوْ ثُلُثَ لِحْيَتِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّبُعَ فِي الْكِتَابِ، وَالْجَوَابُ: فِي الرُّبُعِ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ فَالرُّبُعُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ كَمَا فِي الْحَلْقِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ لِمَعْنَى الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ مُعْتَادٌ فَإِنَّ الْأَتْرَاكَ يَحْلِقُونَ أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ، وَبَعْضُ الْعَلَوِيَّةِ يَحْلِقُونَ نَوَاصِيَهُمْ لِابْتِغَاءِ الرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ فَتَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، وَالْجِنَايَةُ الْمُتَكَامِلَةُ تُوجِبُ الْجَبْرَ بِالدَّمِ ثُمَّ الْأَصْلُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ مَتَى حَلَقَ عُضْوًا مَقْصُودًا بِالْحَلْقِ مِنْ بَدَنِهِ قَبْلَ أَوَانِ التَّحَلُّلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ حَلَقَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَمِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ: حَلْقُ شَعْرِ الصَّدْرِ أَوْ السَّاقِ، وَمِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ: حَلْقُ الرَّأْسِ أَوْ الْإِبْطَيْنِ فَإِنْ حَلَقَ أَحَدَهُمَا أَوْ نَتَفَ أَوْ أَطَلَى بِنُورَةٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ لِمَعْنَى الرَّاحَةِ، وَفِيمَا ذَكَرَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبْطَيْنِ النَّتْفُ دُونَ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ قَالَ نَتَفَ إبْطَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَلْقَ فَإِنْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْحَلْقِ، وَإِنَّمَا يَحْلِقُ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْحِجَامَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَلْقِ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالسَّاقِ، وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ»، وَمَا كَانَ يَرْتَكِبُ فِي إحْرَامِهِ الْجِنَايَةَ الْمُتَكَامِلَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إنَّهُ حَلْقٌ مَقْصُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْمَقْصُودِ إلَّا بِهِ يَكُونُ مَقْصُودًا فَتَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ، وَلَمْ يُنْقَلْ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ» إنَّمَا نُقِلَ عَنْهُ الْحِجَامَةُ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ الْحَلْقُ فَإِنَّ الْحَجَّامَ إذَا كَانَ حَاذِقًا يَشْرِطُ طُولًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَلْقِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحْجُومُ أَشْعَرَ الْبَدَنَ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي «صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَشْعَرَ الْبَدَنَ»، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّزُ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلصَّدَقَةِ كَمَا يَتَحَرَّزُ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلدَّمِ وَعِنْدَهُمَا هَذِهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلصَّدَقَةِ (قَالَ) فَإِنْ حَلَقَ الرَّقَبَةَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ حَلْقٌ مَقْصُودٌ لِلرَّاحَةِ وَالزِّينَةِ فَإِنَّ الْعَلَوِيَّةَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا حَلَقَ شَارِبَهُ إنَّمَا ذَكَرَ إذَا أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ إذَا حَلَقَ شَارِبَهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْحَلْقِ يَفْعَلُهُ الصُّوفِيَّةُ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ اللِّحْيَةِ، وَهُوَ مَعَ اللِّحْيَةِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ قَصَّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءَ اللِّحَى، وَإِذَا كَانَ الْكُلُّ عُضْوًا وَاحِدًا لَا يَجِبُ بِمَا دُونَ الرُّبُعِ مِنْهُ الدَّمُ، وَالشَّارِبُ دُونَ الرُّبُعِ مِنْ اللِّحْيَةِ فَتَكْفِيهِ الصَّدَقَةُ فِي حَلْقِهِ.
(قَالَ) وَعَلَى الْقَارِنِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَفَّارَتَانِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ فَفِعْلُهُ جِنَايَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَلْزَمُهُ جُزْءَانِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَالَ) وَإِنْ أَصَابَ الْمُحْرِمَ أَذًى فِي رَأْسِهِ فَحَلَقَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «قَالَ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُمَّلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِي، وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لِي فَقَالَ أَتُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسِكَ فَقُلْت نَعَمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فَقُلْت مَا الصِّيَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقُلْت وَمَا الصَّدَقَةُ قَالَ ثَلَاثَةُ آصُعَ مِنْ حِنْطَةٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ فَقُلْت وَمَا النُّسُكُ قَالَ شَاةٌ»، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ بِحَرْفٍ أَوْ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّخْيِيرَ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ النَّصُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْدِيرِ الصَّوْمِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَكُنَّا نُقَدِّرُهُ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّرَ الطَّعَامُ بِطَعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمُ يَوْمٍ بِمَنْزِلَةِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ صَوْمُ سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَلَكِنْ ثَبَتَ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ كُلِّ قِيَاسٍ بِمُقَابَلَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي كُلِّ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ لَزِمَهُ الدَّمُ فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُضْطَرُّ فَعَلَيْهِ أَيُّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهِ فَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ يَصُومُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَان.
وَإِنْ اخْتَارَ الطَّعَامَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَرَمِ، وَغَيْرِ الْحَرَمِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ رِفْقُ فُقَرَاءِ الْحَرَمِ وَوُصُولُ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهِمْ، وَلَكِنَّا نَقُولُ التَّصْدِيقُ بِالطَّعَامِ قُرْبَةٌ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصِّيَامِ، وَإِنْ اخْتَارَ النُّسُكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْحَرَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ هُوَ الْحَرَمُ، وَهَذَا الدَّمُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالزَّمَانِ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ فَيَكُونُ كَفَّارَةً لِفِعْلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}، وَذَلِكَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَصَارَ أَصْلًا فِي كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرَمِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْهَدَايَا قَالَ: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِالْحَرَمِ عَيْنَ إرَاقَةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَلْوِيثَ الْحَرَمِ إنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّصْدِيقُ بِاللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَبْحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَعَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ قُرْبَةٌ (قَالَ) وَإِنْ سُرِقَ الْمَذْبُوحُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بِالذَّبْحِ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وَوُجُوبُ التَّصَدُّقِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ فَيَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ كَمَا إذَا هَلَكَ مَالُ الزَّكَاةِ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ (قَالَ) وَإِنْ سُرِقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا بَلَغَ مَحِلَّهُ بَعْدُ، وَهُوَ نَظِيرُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ إذَا سُرِقَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَعَلَى صَاحِبِهَا مِثْلُهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ دِمَاءَ الْكَفَّارَاتِ لَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَأَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فِي أَوَانِهِ كَالْحَلْقِ فَأَمَّا دَمُ الْإِحْصَارِ لَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلتَّحَلُّلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إنَّهُ فِي مَعْنَى دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ إلَّا لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ لِلْأَغْنِيَاءِ ثُمَّ وُجُوبُ هَذَا الدَّمِ لِلتَّحَلُّلِ قَبْلَ أَوَانِهِ فَإِنَّ أَوَانَ التَّحَلُّلِ مَا بَعْدَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ، وَالْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَفْعَالِ فَكَانَ فِي فِعْلِهِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لِلْعُذْرِ فَالدَّمُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ كَفَّارَةً لَا يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالدَّمِ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ بِرَأْسِهِ أَذًى فَأَمَّا التَّطَوُّعَاتُ مِنْ الدَّمِ يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَذَبْحُهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَاتِ هَدَايَا وَالْوَاجِبُ فِي الْهَدَايَا تَبْلِيغُهَا إلَى الْحَرَمِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ يَجُوزُ ذَبْحُهَا فِي غَيْرِ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي إرَاقَةِ الدَّمِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَظْهَرُ (قَالَ) وَيُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ، وَالتَّطَوُّعِ بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَّةِ، وَالْجَوَابُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مَعْلُومٌ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَأَدَّى بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَإِنَّهُ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ لِلْمُضَحِّي، وَلِمَنْ شَاءَ الْمُضَحِّي مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ فَإِنْ أَكَلَ الْمُضَحِّي كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ، وَيَأْكُلَ الثُّلُثَيْنِ فَكَذَلِكَ فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْهَدَايَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَاوَلَ مِنْ هَدَايَاهُ حَتَّى أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ قِطْعَةٌ فَتُطْبَخَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ التَّصَدُّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا شَيْئًا فَكَمَا يُبَاحُ لَهُ تَنَاوُلُ لُحُومِ هَذِهِ الْهَدَايَا يُبَاحُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا أَيْضًا، وَلَا يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ غَيْرِهَا مِنْ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ بَلْ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا هَكَذَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَاجِيَةَ حِينَ بَعَثَ بِالْهَدَايَا عَلَى يَدَيْهِ، وَقَالَ تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا، وَخُطُمِهَا» فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّصَدُّقِ بِجُلُودِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (قَالَ) وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِنْهَا، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْجَزَّارُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ.
(قَالَ) وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ لُحُومِ الْهَدَايَا بِثَمَنٍ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا وَلَوْلَا الْإِذْنُ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ لَمَا أُبِيحَ لَهُ تَنَاوُلُ بَعْضِهَا، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِذْنِ فِي التَّنَاوُلِ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْإِذْنُ فِي التَّنَاوُلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}.
(قَالَ) وَإِذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا بِثَمَنٍ أَوْ أَعْطَى الْجَزَّارَ أُجْرَةَ عَمَلِهِ مِنْ اللَّحْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ حَقَّ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ بِصَرْفِهِ إلَى قَضَاءِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ أَوْ بِتَحْصِيلِ عِوَضِهِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِقِيمَتِهِ كَمَنْ قَضَى بِنِصَابِ الزَّكَاةِ دَيْنًا عَلَيْهِ (قَالَ) وَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَلَى الْمُحْرِمِ غَيْرُ التَّقْصِيرِ فَبَدَأَ بِقَصِّ أَظْفَارِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ بَاقٍ مَا لَمْ يَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ فَفِعْلُهُ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ يَكُونُ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ تَحَلُّلَ الْحَاجِّ يَكُونُ بِالرَّمْيِ فَقَصُّ الْأَظْفَارِ بَعْدَ الرَّمْيِ لَا يَكُونُ جِنَايَةً مِنْهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.